Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الإخلاص في العمل التربوي.. حين تتحول المهنة إلى رسالة

 

بقلم: د. معدي حسين علي آل حية

يُعد الإخلاص من أعظم المعاني التي ينبغي أن يتحلى بها المربي في عمله؛ فهو أساس قبول العمل، ولا يكون العمل مثمرًا ومباركًا إلا إذا اقترنت النية الصالحة بالأداء المتقن، وكان الهدف منه تحقيق الخير والإصلاح وابتغاء مرضاة الله تعالى.

والإخلاص ليس مجرد معنى يستقر في القلب، بل تظهر آثاره بوضوح في سلوك المربي وقراراته وتعاملاته مع الطلاب والزملاء وأولياء الأمور، وفي قدرته على الاستمرار والعطاء حتى عندما يغيب التقدير أو تكثر العقبات.

وبحكم عملي موجهًا طلابيًا قرابة 30 عامًا،

اخترت لكم من احد المواقع التي تهتم بالتربية

أرى أن الإخلاص في العمل التربوي من أهم العوامل التي تجعل المربي قادرًا على الاستمرار في أداء رسالته، وأن أثره لا يقتصر على المربي نفسه، بل ينعكس على الطلاب والبيئة التعليمية والمجتمع بأكمله.

يستمر ولو قلّ التشجيع والتقدير

المربي المخلص لا يجعل كلمات الثناء أو المكافآت والتشجيع هي المحرك الأساسي لعطائه. نعم، التقدير مهم وله أثر في رفع المعنويات، لكن المخلص يستمر في عمله حتى لو قلّ التشجيع أو لم يلقَ التقدير الذي يستحقه؛ لأنه يؤدي رسالته ابتغاء مرضاة الله، وليس بحثًا عن الظهور أو الإشادة.

يواجه اللوم والعقبات بروح إيجابية

قد يتعرض المربي للوم أو العتاب، وقد تواجهه مشكلات وعقبات، لكن ذلك لا يجعله يتخلى عن رسالته. فإن كان اللوم في محله راجع نفسه وأصلح خطأه، وإن واجهته مشكلة بحث عن أسبابها وحلولها، ومضى في عمله محتسبًا الأجر عند الله.

يتقن عمله في السر والعلن

من علامات الإخلاص أن يكون مستوى الأداء واحدًا في حضور الآخرين وغيابهم. فالمربي المخلص لا ينتظر متابعة المشرف حتى يجتهد، ولا يحتاج إلى مراقبة الناس حتى يؤدي عمله بإتقان.

فإذا أعد درسًا أحسن إعداده، وإذا أقام نشاطًا حرص على فائدته، وإذا تولى متابعة طالب اعتنى به، لأنه يرى أن عمله أمانة ومسؤولية قبل أن يكون وظيفة.

يصدق في عرض الواقع

المربي المخلص لا يسعى إلى تجميل الواقع أو تضخيم الإنجازات، بل يذكر ما تم إنجازه وما لم يتم، ويشير إلى جوانب القصور التي تحتاج إلى معالجة؛ لأن غايته إصلاح العمل وتطويره، وليس تحسين صورته أمام الآخرين.

إذا استُشير قدّم الحق لا المجاملة

من صور الإخلاص أن يقول الإنسان ما يراه حقًا وصوابًا عند الاستشارة، ولو لم يتفق رأيه مع رأي الآخرين، على أن يكون ذلك بأدب وحكمة ووضوح.

فالمربي المخلص يبحث عن المصلحة التربوية، وليس عن إرضاء الأشخاص أو مجاراة الآراء لمجرد المحافظة على العلاقات.

يقبل النصيحة ويراجع نفسه

الإخلاص يجعل الإنسان أكثر استعدادًا لمراجعة نفسه وقبول النصيحة. فإذا وُجّهت إليه ملاحظة لم يكن همه إثبات أنه على صواب أو الدفاع عن صورته، بل ينظر فيما قيل له، فإن وجد فيه حقًا قبله واستجاب له، وإن رأى غير ذلك ناقش بأدب واحترام.

فالحق عند المخلص أحب إليه من الانتصار للنفس.

يحتسب تفاصيل العمل كلها

المربي المخلص لا يحتسب المواقف الكبيرة وحدها، بل يستحضر الأجر في تفاصيل عمله اليومية؛ في وقته وجهده، ومراجعته، وتنقله، وصبره، ومتابعته للطلاب، وحتى الأعمال التي قد تبدو للآخرين بسيطة أو عادية.

فمتى صحت النية، تحولت الأعمال اليومية إلى أبواب للأجر، وأصبح أداء الواجب عبادةً يؤجر عليها الإنسان بإذن الله.

يهتم بحقيقة العمل لا بصورته

الإخلاص يجعل المربي يهتم بجوهر العمل ونتائجه، لا بمظهره أمام الناس. فلا تكون الأولوية لصورة النشاط بقدر ما تكون لفائدته، ولا يكون الاهتمام بما يراه الناس على حساب ما لا يراه أحد.

فالمربي المخلص يسأل نفسه: ماذا استفاد الطالب؟ وما الأثر الذي تركه العمل؟ وهل تحققت الغاية التربوية؟ وليس فقط: كيف ظهر العمل أمام الآخرين؟

يقدم مصلحة الدين والمتربين على مصلحته

ومن أعظم علامات الإخلاص أن يقدم المربي مصلحة المتربين والعمل على رغبته الشخصية.

فإذا كانت مصلحة الطالب في بقائه مع مربيه فرح بذلك، وإذا كانت مصلحته في الانتقال إلى مربي آخر أعانه على ذلك. وإذا اقتضت مصلحة العمل أن يتولى غيره مهمة كان يرغب فيها، قدّم المصلحة العامة على رغبته الخاصة.

وقد يقدم فكرة لغيره فينجح بها دون أن يُذكر اسمه، أو يترك مجال الظهور لغيره، أو يعمل خلف الكواليس دون أن يعرف الناس حجم جهده؛ لأنه لا يبحث عن الأضواء، وإنما يبحث عن الأثر.

الإخلاص يصنع أثرًا يبقى

إن العمل التربوي ليس مجرد أداء مهام يومية، بل هو رسالة تتعلق ببناء الإنسان وصناعة شخصيته وتوجيه سلوكه. ولذلك فإن الإخلاص فيه يصنع فرقًا حقيقيًا؛ فالمربي المخلص لا يقيس نجاحه بعدد كلمات الثناء التي يسمعها، ولا بحجم الحضور الإعلامي لعمله، وإنما بما يتركه من أثر طيب في نفوس طلابه.

وقد تمر سنوات طويلة ولا يتذكر الطالب تفاصيل درس أو نشاط، لكنه قد يتذكر كلمة طيبة، أو موقفًا إنسانيًا، أو توجيهًا صادقًا، أو مربيًا شعر معه بأنه محل اهتمام وتقدير.

ومن هنا فإن أعظم ما يحتاج إليه العمل التربوي هو أن تتوافق صلاحية النية مع جودة الأداء، وأن يعمل المربي في حضرة الناس وغيابهم بالروح نفسها، وأن يجعل مصلحة الطلاب وإصلاحهم غايته، وأن يستمر في عطائه مهما قلّ التقدير أو كثرت التحديات.

فالإخلاص لا يجعل المربي يعمل أكثر فحسب، بل يجعله يعمل لغاية أعظم، ويمنح عمله معنى وأثرًا يتجاوز حدود الوظيفة إلى رحاب الرسالة.

Exit mobile version