بقلم المستشار/ مازن آل ظافر
في مطارٍ بعيد، تقول كلمة عابرة، فيضحك من حولك شخصٌ واحد، قبل أن تكتمل عبارتك.
تلك اللحظة هي الوطن: أن تجد من يفهم الإشارة والنبرة قبل أن تشرحها، ويعرف لماذا قلتها بهذه الطريقة، وما الذي حملته الكلمة وراء معناها الظاهر.
نعرفه في أشياء صغيرة تكبر معنا.
في استقبال الضيف، وفنجان القهوة الذي يسبق السؤال، ومجلسٍ يطول لأن الألفة وجدت فيه مكانًا.
في مثلٍ قديم يردده الجد، ثم يخرج من فم الحفيد بعد سنوات بالطريقة نفسها.
في أبٍ يعلّم أبناءه الكرم بالممارسة، وجارٍ يعرف أن السؤال عنك من حسن الجوار.
وتنتقل هذه الأشياء من جيل إلى جيل، فيمنحها كل جيل صوت زمنه.
كان الجد يعرف الطريق بعدد الليالي التي تفصل بين مكانين، بينما يعرفه الحفيد من شاشة في يده.
وكان خبر القريب يحتاج أيامًا ليصل، ثم صار يصل في اللحظة نفسها.
تغيّرت الحياة سريعًا، وبقيت بعض الأشياء في مكانها.
وهنا تكمن إحدى حكايات الوطن: أن يتغير الزمن، ويظل الإنسان قادرًا على التعرف إلى نفسه فيمن سبقه.
وفي السعودية، تتعدد اللهجات والعادات، وتبقى بينها ألفة يصعب اختصارها.
قد تختلف الكلمة من مدينة إلى أخرى، وتبقى فيها تلك اللمحة التي يعرفها أبناء المكان.
أصوات كثيرة، ومعنى يتسع لها جميعًا.
ولعل أجمل ما يميز هذا الزمن أن المستقبل لم يعد فكرة معلّقة ينتظرها الناس، بل صار يتحول أمام أعينهم: مدنٌ تتسع، ومهنٌ تتجدد، ومساراتٌ جديدة يختار منها جيلٌ يرى في الغد مساحة أكبر مما عرفها آباؤه.
هنا تكتب المملكة زمنها وهي تمضي فيه؛ تصنع التحول، ثم يدخل الحياة اليومية حتى يصبح جزءًا من المشهد الذي ينشأ فيه الجيل الجديد، لا خبرًا يُروى عنه.
جيلٌ يستقبل وطنًا تقدّم خطوة، فيجد أمامه مساحة ليدفعه خطوة أخرى.
وربما لهذا يحمل اليوم الوطني معنى يتجاوز الاحتفال.
إنه لحظة نلتفت فيها إلى الحياة التي اعتدناها، ونرى خلفها رحلة أجيال: مدينة نعرفها، مجلس يجمعنا، وأبناء يرسمون غدهم بطريقتهم.
أشياء تبدو عادية، حتى نتذكر كم من العمر احتاجت كي تصبح كذلك.
ثم تأتي لحظة يعرفها من ابتعد عن وطنه.
حديث عابر مع شخص يلتقيه للمرة الأولى.
كلمة واحدة.
ضحكة.
وفجأة يعود شيء مألوف إلى مكانه.
هناك، في المسافة، يعرف الإنسان أن الوطن يمكن أن يسافر معه.
في صوته، وفي طريقته في الضحك، وفي تلك النكتة التي يفهمها من أول إشارة.
ويكفيه ذلك ليعرف:
أنت من هنا.
فالوطن أثرٌ يتسلمه جيل، ويضيف إليه جيل، ثم يتركه لمن بعده.
تتغير المدن، والمهن، والطرق، وتبقى أشياء أعمق من كل ذلك.
وحين يعود الإنسان بعد غياب، قد تكفيه كلمة أو ضحكة ليشعر بأن شيئًا في داخله عاد إلى موضعه.
عندها يفهم أن الوطن كان يمشي معه طوال الوقت.
هو من كان، منذ البداية، يُكمل الجملة.

