الإعلامي/ عادل بن محمد البكري
جازان -صحيفة صدى نيوز إس
ليس كل شرٍّ يعلن عن نفسه، وليس كل عداوة ترتدي وجهًا مكشوفًا.
بعض الشرور تولد في أماكن أكثر هدوءًا؛ خلف ابتسامة، وبين كلمات المجاملة، وفي نظرة عابرة تخفي مقارنة لا يراها أحد.
هناك تبدأ الحكاية…
قد تكون البداية شعورًا صغيرًا لا يلفت الانتباه؛ غيرة صامتة، أو مقارنة خفية، أو حسد يتوارى خلف المجاملة.
ثم تتراكم التأويلات، ويتغير النظر إلى الآخر، حتى يتحول ما كان مجرد إحساس عابر إلى موقف، ثم إلى سلوك مؤذٍ.
وليس أخطر ما في الشر ظهوره بصورة واضحة، بل قدرته على التخفي والتدرج؛ فقد يبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى حديث، ثم إلى تفسير، ثم تتكرر حتى يصبح الشعور الخفي واقعًا يترك أثرًا في حياة الآخرين.
من الحسد إلى الحقد
قد يبقى الحسد شعورًا داخليًا لا يتجاوز صاحبه، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى رغبة في التقليل من قيمة الآخرين أو إضعاف صورتهم.
حينها يبدأ البعض بمراقبة التفاصيل، والبحث عن الأخطاء، وتضخيم العثرات، وتأويل المواقف، وربط الأحداث ببعضها وفق مشاعر سابقة.
ومع الوقت، قد لا يعود يرى الشخص كما هو، بل كما رسمته مشاعره في داخله.
وهنا ينتقل الشعور من مجرد حسد إلى حقدٍ يغيّر طريقة رؤية الإنسان لكل ما يحيط به.
حين يتسع أثر الحقد
قد لا يبقى الحقد داخل صاحبه، بل يظهر في حديثه، وتعليقاته، ونظرته إلى الآخرين.
وقد تنتقل المشاعر السلبية من شخص إلى آخر عبر حديث متكرر، أو انطباع غير دقيق، أو حكم متسرع، حتى تتشكل صورة لا تستند بالضرورة إلى الحقيقة.
ومع تكرار الكلام، قد ينسى الإنسان أين بدأت القصة، وما الذي حدث فعلًا، وما الذي أضيف إليها من تفسير.
وهنا يصبح الحذر واجبًا؛ لأن المشاعر عندما تختلط بالمعلومات قد تجعل الإنسان يرى الحقيقة من زاوية واحدة فقط.
حين يتخفى الحسد في النصيحة
أحيانًا لا يظهر الحسد في صورة عداء، بل يتخفى خلف نصيحة تبدو بريئة، بينما تحمل في داخلها رغبة خفية في تغيير نظرة الآخرين إلى شخص أو موقف.
فالكلمة قد تبدو ناصحة، لكن مقصدها قد يكون مختلفًا؛ تزرع الشك بدل الطمأنينة، وتفتح باب التأويل بدل الحقيقة.
والنصيحة الصادقة تقود إلى التثبت والعدل، أما النصيحة التي يغذيها الحسد فقد تبدأ بكلمة، ثم تنمو في العقول كظن، حتى تتحول مع الوقت إلى حكم لا يستند إلى حقيقة.
وهنا تكمن خطورتها؛ لأنها لا تأتي بصوت العداء، بل تتسلل في هدوء، حتى يصبح أثرها أكبر من كلماتها.
عندما تتراكم المشاعر
الحسد وحده قد يبقى شعورًا عابرًا، والحقد وحده قد يبقى حبيس النفس، لكن تراكم المشاعر السلبية مع كثرة الظنون قد يغير طريقة الإنسان في رؤية الآخرين.
واحد يراقب، وآخر يفسر، وثالث ينقل ما سمعه، ورابع يبني حكمه على ما وصله.
وهكذا تتداخل الكلمات والانطباعات، حتى يصبح الحكم على الإنسان قائمًا على روايات متداخلة أكثر من قيامه على حقيقة واضحة.
الشر حين يجد من يغذّيه
كلمة تفتح باب الظنون.
ونظرة تحمل احتقارًا.
وتفسير يغيّر معنى الموقف.
وحكم يصدر قبل معرفة الحقيقة.
ومع تكرار هذه الأمور، قد يتحول الشعور إلى قناعة، والقناعة إلى موقف، والموقف إلى أذى.
ولهذا فإن الكلمة ليست صغيرة عندما تقع في نفس تحمل الحسد أو الحقد.
الوعي أمام التأثير
ليس كل نقدٍ إصلاحًا، فهناك نقدٌ هادف يكشف الخلل بنية التصحيح، ونقدٌ هدّام يتخفى خلف الكلمات، ويبحث عن العيب لا عن الإصلاح.
وقد لا يأتي النقد الهدّام بصورة مباشرة، بل يسلك طريقًا خفيًا؛ يبدأ بملاحظة صغيرة، ثم يتوسع في تضخيمها، ويبحث عن مواطن النقص، حتى تتحول الملاحظة إلى صورة كاملة تُختزل فيها شخصية الإنسان وإنجازاته.
ولهذا يصبح الوعي ضروريًا في التمييز بين النقد الذي يفتح باب الإصلاح، والنقد الذي يفتح باب الانتقاص، وبين الحقيقة والتفسير، وبين المعلومة والانطباع.
ويبقى السؤال الأهم:
أين الدليل؟
فكثرة تكرار الكلام لا تجعله حقيقة، وكثرة من يرددونه لا تمنحه الصدق، والانطباع المتكرر لا يصبح دليلًا لمجرد أنه تكرر.
إن الوعي يجعل الإنسان قادرًا على الاستماع، لكنه لا يسمح للكلمات أن تتحول إلى أحكام قبل التثبت من حقيقتها.
في أعماق الشر
في أعماق الشر لا يكون الظلام دائمًا في الخارج… أحيانًا يكون في الطريقة التي يرى بها الإنسان الآخرين.
قد يبدأ الأمر بنظرة، ثم مقارنة، ثم حسد، ثم حقد؛ وبعدها تبدأ النفس في بناء صورة خاصة عن الآخر، تصبح فيها النوايا موضع شك، والإنجازات موضع تقليل، والنجاحات سببًا للانزعاج.
ثم يحدث ما هو أكثر خطورة…
يبدأ الإنسان في تصديق الصورة التي صنعها داخل نفسه.
عندها لا يعود يبحث عن الحقيقة، بل عن كل ما يؤكد شعوره.
لا يرى الموقف كما حدث، بل كما تفسره مشاعره.
ولا يسمع الكلام كما قيل، بل كما ينسجم مع الصورة التي تكونت داخله.
وهنا يصبح الشر أكثر غموضًا…
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يكره شخصًا آخر فحسب، بل أن يسمح للحقد بأن يغيّر طريقة فهمه لكل شيء.
عندها قد تتحول البراءة إلى تهمة، والنجاح إلى استفزاز، والصمت إلى دليل، والاختلاف إلى عداء، والكلمة العادية إلى معنى لم يقصده صاحبها.
وحين تصل المشاعر إلى هذه المرحلة، لا يعود الإنسان بحاجة إلى سبب جديد للعداء؛ فقد أصبحت مشاعره نفسها تصنع الأسباب.
وحين يكون الآخر ناجحًا ومتميزًا
فالنجاح قد يكشف أحيانًا ما تخفيه بعض النفوس.
هناك من يرى نجاح الآخرين مصدر إلهام، فيفرح لإنجازهم، ويتعلم من تجربتهم، ويجعل تميزهم دافعًا لتطوير نفسه.
وهناك من ينظر إلى النجاح بعين مختلفة؛ فيراه مرآة تذكّره بما لم يحققه، فيبدأ بالمقارنة، ثم الغيرة، ثم الحسد، وقد يتطور الشعور مع الوقت إلى حقد.
ومن هنا يبدأ الخطر…
ليس لأن الناجح فعل شيئًا يستحق العداء، بل لأن نجاحه أصبح في عين الحاقد انعكاسًا مؤلمًا لما يشعر أنه ينقصه.
فيبدأ البحث عن العيوب بدل رؤية الإنجازات، وعن العثرات بدل تقدير الطريق، وعن الأخطاء بدل الاعتراف بالنجاح
لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك:
نجاح الآخرين لا ينتقص من قيمة النجاح، وتميّز إنسان لا يعني بالضرورة تراجع قيمة الآخرين.
فمن امتلأ قلبه بالرضا، رأى نجاح الآخرين فرصة للتعلم والإلهام.
ومن امتلأ بالحسد، رأى النجاح الذي أمامه تهديدًا.
وهنا تتضح المسافة الكبيرة بين نفسٍ تتعامل مع إنجاز الآخرين بإعجاب، ونفسٍ تحاول أن تطفئ الضوء لأنها لا تحتمل أن تراه.
وهنا تكمن إحدى أكثر صور الشر هدوءًا وخطورة؛ أن يصبح الإنسان الناجح هدفًا لمشاعر لم يصنعها، وأن يتحول تميزه من مصدر تقدير إلى سبب للضيق في نفوس الآخرين.
الخاتمة
فالشر لا يبدأ عندما يؤذي الإنسان غيره فقط؛ بل يبدأ قبل ذلك بكثير… عندما يتوقف عن رؤية الآخر كإنسان، ويبدأ في رؤيته كعقبة.
ولهذا يبقى العدل في الحكم، والتحقق من الحقائق، والتأني في تفسير المواقف، وعدم الانسياق خلف الشائعات والأحكام المتسرعة، من أقوى الحواجز أمام تحول المشاعر المظلمة إلى واقع مؤذٍ.
فالوجه الأكثر رعبًا للشر ليس ذلك الذي نعرفه ونحذر منه…
بل ذلك الذي يجلس بيننا هادئًا، يبتسم، يتحدث، يفسّر، ويكرر كلماته…
حتى يأتي يومٌ يصبح فيه الحقد أعمى عن الحقيقة، ويصبح نجاح الآخرين سببًا للغضب، ويصبح تميزهم جرحًا في نفسٍ لم تتعلم كيف تفرح لغيرها.
وعندها لا يعود الظلام فيمن أمامه…
بل في العين التي لم تعد ترى النور إلا إذا انطفأ عند الآخرين.

