بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
في المدينة النبوية، حيث تتعانق صفحات التاريخ مع المكان، لا تبدو تفاصيل المسجد النبوي مجرد أحجار وأبواب ونوافذ؛ فخلف كثير من معالمه حكايات ارتبطت بالسيرة النبوية وبحياة الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم.
ومن بين تلك الحكايات التي استوقفت المؤرخين «خوخة حفصة»؛ ذلك المنفذ الذي ارتبط تاريخيًا بدار أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها، وظلت قصته تتردد عند الحديث عن تطورات المسجد النبوي وتوسعته عبر العصور.
حفصة.. أم المؤمنين وابنة الفاروق
حفصة رضي الله عنها ليست شخصية عابرة في التاريخ الإسلامي؛ فهي ابنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأم المؤمنين زوج النبي ﷺ.
وكانت قبل زواجها بالنبي ﷺ زوجة لخُنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، أحد أصحاب رسول الله ﷺ ومن شهد بدرًا، فلما توفي رضي الله عنه أراد عمر بن الخطاب أن يزوج ابنته، فعرضها على عثمان بن عفان وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم.
ولما خطبها رسول الله ﷺ، تزوجها، فأصبحت واحدة من أمهات المؤمنين.
وتحمل قصة زواجها بالنبي ﷺ موقفًا بديعًا من حفظ السر؛ فقد أوضح أبو بكر رضي الله عنه لعمر بعد ذلك أنه لم يجبه عندما عرض عليه حفصة لأنه كان يعلم أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم يكن ليكشف سر رسول الله ﷺ.
حين ارتبط البيت بالمسجد
ومع مرور الزمن، ارتبط اسم حفصة رضي الله عنها بأحد المواضع التاريخية القريبة من المسجد النبوي.
فقد كانت دارها ضمن الدور المحيطة بالمسجد، ومع توسعات المسجد النبوي في العهد الراشدي وما تلاها، أصبحت تلك الدور جزءًا من المشهد العمراني المتغير للمدينة.
وتروي المصادر التاريخية أن حفصة رضي الله عنها اشترطت عند إدخال دارها في التوسعة أن يبقى لها منفذ إلى المسجد، ثم عُرف هذا المنفذ في الروايات اللاحقة باسم «خوخة حفصة» أو «خوخة آل عمر».
وهنا تبدأ الحكاية التي جعلت من نافذة صغيرة أثرًا يستوقف المؤرخين.
نافذة صغيرة.. وذاكرة كبيرة
«الخوخة» في لغة العرب هي باب صغير أو منفذ، وقد أصبحت الخوخة المنسوبة إلى حفصة رضي الله عنها من المواضع التي ارتبطت بتاريخ المسجد النبوي وتغيرات عمارته.
وتذكر بعض المصادر التاريخية أن هذا الموضع ظل معروفًا خلال مراحل متعددة من تاريخ المسجد، ثم اتخذ في مرحلة لاحقة صورة شباك، وارتبطت إحدى مراحل تجديده بأعمال العمارة في عهد السلطان المملوكي الأشرف قايتباي.
ومن هنا اكتسبت «خوخة حفصة» حضورًا خاصًا في كتب تاريخ المدينة ومعالم المسجد النبوي، ليس لقيمتها المعمارية وحدها، وإنما لما تحمله من دلالة تاريخية مرتبطة بأم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.
الحكاية الأجمل.. الوفاء الذي بقي في الذاكرة
قد تكون نافذة صغيرة في جدار، لكنها في ذاكرة المدينة أكبر من حجمها بكثير.
فهي تستحضر سيرة امرأة عاشت في بيت النبوة، وتحمل اسم حفصة بنت عمر رضي الله عنها، وتعيد إلى الأذهان ذلك الجيل الذي عاش تفاصيل الإسلام الأولى، وشهد بناء المسجد النبوي وتوسعاته، ثم انتقلت آثاره وقصصه من جيل إلى جيل.
ولهذا ظل اسم «خوخة حفصة» حاضرًا عند المؤرخين والمهتمين بتاريخ المسجد النبوي، وأصبحت جزءًا من الرواية التاريخية المرتبطة بالمكان.
المدينة.. تاريخ لا يُقرأ من الكتب وحدها
إن جمال المدينة المنورة لا يكمن في معالمها المشاهدة اليوم فحسب، بل في القصص التي تختزنها أرضها وجدرانها وطرقاتها.
فالمسجد النبوي لم يكن عبر التاريخ بناءً جامدًا، بل شهد توسعات متعاقبة، وتعاقبت عليه عصور مختلفة، وظلت كتب المؤرخين تسجل أبوابه ونوافذه ودوره وممراته وما ارتبط بها من أحداث.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة مثل هذه المعالم دراسة تاريخية موثقة، والتمييز بين ما ثبت في الأحاديث الصحيحة وما ورد في كتب السيرة والتاريخ من أخبار وروايات؛ حتى تبقى سيرة النبي ﷺ وأمهات المؤمنين والصحابة رضي الله عنهم محفوظة في إطارها الصحيح.
وتبقى «خوخة حفصة» واحدة من القصص التي تجعل القارئ يتوقف أمام تفصيل صغير في تاريخ المدينة، ليدرك أن وراء ذلك التفصيل ذاكرة ممتدة، وأن المكان في المدينة المنورة كثيرًا ما يكون شاهدًا على قصة من قصص السيرة والتاريخ.
نافذةٌ صغيرة أُغلقت أبوابها الزمنية، لكن حكايتها بقيت مفتوحة في ذاكرة المدينة؛ تحكي عن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، وعن المسجد النبوي، وعن تاريخٍ لا تزال تفاصيله تستوقف القارئ بعد قرون طويلة.

