Site icon صحيفة صدى نيوز إس

في ذاكرة الجوار:

ا. محمد باجعفر

أبوعريش..

مدينة البيت الواحد والأسرة الواحدة

​يقول لا وكلا وأقول:

لا وكلا! لا وكلا لمن لا يعرف التاريخ، ولم يدرك بعمقه معنى الترابط الأسري والنسيج الإنساني الوثيق؛ ذلك الترابط الذي لا يُحدّ بنسبٍ ضيّق، ولا ينحصر في حدود الفخذ أو القبيلة. فالأنساب -على شرفها- ليست القيد الوحيد للرحم الإنساني، بل إن العيش والملح، وحسن الجوار، وحسن الخلق، والتقوى، والدين، هي العرى الوثقى التي تشدّ أزر الرجال، وتؤلف بين القلوب حتى تغدو أرواحاً في أجساد متعددة.

قلوبٌ مُشرعة قبل الأبواب

​في تلك الأيام الخالدة من تاريخ مجتمعنا الأصيل، لم تكن الخشب والمغالق هي التي تُسير العلاقات، بل كانت القلوب مشرعةً ومفتوحةً قبل الخشب والأبواب. كان البيت بيت الجميع، والدار سعة لكل قاصد وجار.

​تلتئم المجالس بصفاء النيات، وتجتمع الأيدي حول الموائد العفوية، فتطيش الأيادي في الصحون دون مَنّ ولا كبر ولا كلفة، لأن الطعام لم يكن مجرد قرى، بل كان رمزاً للمودة، والمقاسمة الشريفة، والاتحاد الروحي الذي يجعل من الشبع الفردي عاراً إن لم يشبع الجار.

​تربية الأبناء.. مسئولية الروح الواحدة

​لم تكن التربية في ذلك الزمن الجميل كفالةً فردية تنتهي عند عتبة المنزل، بل كانت ملحمة تربوية يتشارك فيها الجميع. كان الآباء والأمهات في الحارة يحرصون على تربية الأبناء والبنات حرصهم على أنفسهم؛ يوجهون، ويربون، ويحطون الصغير بعين الرعاية والعطف والتأديب، دون أن يجد الوالد في توجيه جاره لولده إلا مظهراً من مظاهر الأخوة والحرص الصادق.

​نشأ الأطفال في تلك البيئة وهم يشعرون أن لديهم أمهاتٍ متعددات وآباءً يمتدون بامتداد أزقة المدينة، فغُرست في نفوسهم القيم، والشرف، والحياء، والاحترام الكبير للكبير.

​أبوعريش.. جغرافيا المحبة والبيت المتفرد

​من هنا تتجلى أبوعريش في أنصع صورها التاريخية؛ ليست مجرد رقعة جغرافية أو حارات متجاورة، بل هي بحق مدينة البيت الواحد، والأسرة الواحدة.

​مدينة صاغتها الأيام على عين المودة، ونسجت تفاصيلها أواصر الجوار التي صمدت في وجه المتغيرات، لتظل درساً بليغاً لكل من يريد أن يفهم كيف تصنع الفضيلة والعيش والملح مجتمعاً حياً لا ينكسر.

Exit mobile version