مقال/ الإعلامي خضران الزهراني
ثمة ساعة في الليل لا تشبه سواها…
ساعةٌ لا تُقاس بعقارب الساعة، بل بما يمر في القلب.
حين تخفت حركة العالم، وتغلق النوافذ أبوابها، ويصبح الصمت أكثر وضوحًا من الكلام… يجد الإنسان نفسه واقفًا أمام مرآة لا تعكس ملامحه، بل تعكس ما أخفاه طويلًا.
هناك…
لا تنفع المجاملة.
ولا تنفع الأعذار.
ولا يستطيع الإنسان أن يهرب من نفسه.
تبدأ الذاكرة عملها بصمت.
تفتح صندوقًا قديمًا، وتخرج منه وجهًا، ثم موقفًا، ثم كلمة، ثم ضحكة، ثم لحظة لم نكن نعرف ونحن نعيشها أنها ستصبح يومًا من أغلى ما نملك.
وقد يكون من أغرب أسرار الإنسان أنه لا يعرف قيمة اللحظة إلا بعد أن تصبح ذكرى.
نعيش الأيام وكأنها مضمونة.
نؤجل كلمة.
نؤجل لقاء.
نؤجل اعتذارًا.
نؤجل حبًا.
ثم نستيقظ ذات يوم، فنكتشف أن الشيء الذي كنا نؤجله أصبح شيئًا لا يمكن استعادته.
وهنا يبدأ السؤال:
ماذا بقي من الذين مروا بنا؟
بعضهم ترك ضحكة.
بعضهم ترك جرحًا.
بعضهم ترك درسًا.
وبعضهم ترك فراغًا لا يملؤه أحد.
لكن الحقيقة التي نتعلمها متأخرين هي أن الإنسان لا يحمل الأشخاص معه دائمًا…
بل يحمل أثرهم.
ولهذا قد تمر سنوات طويلة، ثم يكفي صوتٌ يشبه صوتًا قديمًا، أو مكانٌ يشبه مكانًا، أو رائحةٌ عابرة، حتى تعود بنا الذاكرة إلى زمن لم نعد نعيش فيه.
نقف للحظة…
ولا نعرف هل نحن الذين عدنا إلى الماضي، أم أن الماضي هو الذي عاد إلينا.
ولعل أقسى ما في الذكريات أنها لا تستأذن.
تأتي عندما نكون أقوياء.
وتأتي عندما نظن أننا تجاوزنا.
وتأتي أحيانًا في أكثر اللحظات هدوءًا، لتخبرنا أن بعض الأشياء لم تنتهِ تمامًا…
بل تغير شكلها فقط.
ومع ذلك، ليس كل ما نتذكره يستحق أن يعود.
فالحكمة ليست في أن نستعيد الماضي، وإنما في أن نفهمه.
أن نعرف لماذا حدث.
ماذا علّمنا.
وماذا ترك فينا.
ثم نتركه يمضي.
فالحياة لا تتوقف عند بابٍ أغلق، ولا عند شخصٍ رحل، ولا عند حلمٍ لم يكتمل.
هناك أبواب أخرى.
وأيام أخرى.
وأشخاص لم نلتقِ بهم بعد.
وحكايات لم تُكتب فصولها.
لهذا…
إذا جاءك الليل بذكرياتك، فلا تخف.
استمع إليها.
لكن لا تسكن فيها.
خذ منها ما يجعلك أكثر حكمة، واترك ما يجعلك أكثر ألمًا.
سامح من استطعت.
وتجاوز ما عجزت عن تغييره.
ولا تبحث عن نفسك في الأمس…
فربما تكون أجمل نسخة منك لم تولد بعد.
ثم، عندما يهدأ كل شيء، ويعود الليل إلى صمته، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا:
لو عاد بك الزمن دقيقة واحدة فقط… إلى أي لحظة ستعود؟
لا تقلها لأحد.
احتفظ بالإجابة لنفسك.
فربما تكون تلك اللحظة بالذات…
هي الحكاية التي قضيت سنوات تحاول نسيانها.
وربما تكون هي الحكاية التي صنعت منك الإنسان الذي أنت عليه اليوم.
وحينها ستفهم أن بعض الذكريات لا تأتي لتعيدنا إلى الماضي…
بل تأتي لتخبرنا لماذا أصبحنا نحن.

