كاتبة رأي ايمان المغربي
هناك أذى لا يحتاج إلى يد تمتد ولا إلى صوت يرتفع ولا إلى كلمة جارحة أمام الآخرين.
يكفي أحياناً أن يشعر الإنسان أنه غير مرغوب فيه أو أن يُعامل وكأنه أقل من غيره أو أن يوضع في موقف يشعره بالإحراج أمام الناس.
وقد يظن من فعل ذلك أن الأمر بسيط وربما لا ينتبه إلى مقدار ما تركه في نفس من أمامه.
فكم من إنسان ابتسم وهو يخفي انزعاجه وكم من شخص قال «لا بأس» بينما كان في داخله شيء يؤلمه.
نحن لا نعرف دائماً ماذا يحدث داخل الآخرين بعد مواقفنا معهم.
قد ينسى الإنسان تفاصيل كثيرة لكنه يتذكر كيف شعر عندما وجد نفسه في موقف لم تُحفظ فيه كرامته أو عندما شعر أن وجوده أصبح موضع تقليل أمام الآخرين.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا في التعامل مع بعضنا.
ليس كل ما نستطيع فعله يستحق أن نفعله.
أن تعرف نقطة ضعف إنسان لا يمنحك الحق في استخدامها وأن تكون في موقع أقوى لا يجعل التقليل من غيرك دليلاً على قوتك وأن تملك القدرة على إحراج شخص ثم تختار أن تحفظ مكانته كلها أمور تظهر في طريقة تعامل الإنسان مع من حوله.
فالاحترام لا يحتاج إلى جهد كبير لكنه يحتاج إلى انتباه.
يمكننا أن نختلف وأن نرفض وأن نضع حدوداً وأن نرتب الأمور بالطريقة التي نراها مناسبة دون أن نجعل إنساناً يشعر بأنه أقل قيمة من غيره.
فالرفض لا يحتاج إلى إهانة والحزم لا يحتاج إلى قسوة والاختلاف لا يمنح أحداً حق التقليل من الآخر.
وهنا أيضاً علينا أن نعرف الفرق بين النقد والإهانة.
النقد يمكن أن يصحح فكرة أو سلوكاً أما الإهانة فتتجه إلى الإنسان نفسه وتضعه في موقف يشعر فيه أن قدره قد تم التقليل منه.
يمكنني أن أقول لك إن تصرفك لم يكن مناسباً دون أن أجعلك تشعر بأنك شخص غير مناسب.
ويمكنني أن أرفض رأيك دون أن أرفض احترامك.
وهذا الفرق يجعل الحوار وسيلة للإصلاح بدل أن يتحول إلى وسيلة لإيذاء الآخرين.
وكذلك هناك فرق بين الحزم والتقليل من الناس.
الحزم أن تعرف ما تقبل وما لا تقبل وأن تقول ذلك بوضوح أما التقليل فهو أن تجعل الآخر يشعر أن قيمته أقل حتى تثبت أنت موقفك.
ليس مطلوباً منا أن نكون لينين في كل شيء لكن المطلوب ألا نجعل القسوة أسلوباً دائماً في التعامل.
وقد يملك البعض مالاً أو مكانة أو قدرة أكبر من غيره وهذا أمر طبيعي في الحياة لكن المهم هو طريقة التعامل مع من حوله.
فالمال لا يبرر إحراج الآخرين والمكانة لا تعطي صاحبها حق التقليل من أحد والقوة يمكن أن تكون وسيلة لفعل الخير وحفظ مكانة الآخرين.
قد يكون أحدهما غنياً والآخر محدود الحال وقد يكون أحدهما صاحب مكانة والآخر شخصاً بسيطاً لكن هذا كله لا يجعل إنساناً أعلى إنسانية من إنسان.
فالكرامة لا تتفاوت بتفاوت المال والمكانة.
والتواضع الحقيقي أن تعرف ما تملك دون أن يجعلك ما تملكه تنسى قيمة من أمامك.
أن تساعد دون أن تشعر من تساعده بأنه أقل منك وأن تستطيع أن تعطي دون أن تجعل عطاؤك وسيلة للمن وأن تكون في موقع أقوى دون أن تستعمل قوتك لإحراج من هو أضعف منك.
وقد يكون الشخص الذي أمامنا محدود القدرة على الرد خصوصاً عندما يكون الفارق في المال أو المكانة واضحاً فيختار الصمت حفاظاً على كرامته.
وقد لا نعرف ظروف الشخص الذي أمامنا ولا ما مر به ولا مقدار ما يحتمله من الداخل.
قد يكون يحمل في داخله ما لا نراه وقد يكون قد مر بتجارب جعلته أكثر حساسية تجاه بعض المواقف وقد تكون كلمة عادية في نظرنا ثقيلة عليه بسبب شيء لا نعرفه.
لذلك من المهم أن ننتبه إلى طريقة تعاملنا خصوصاً في المواقف التي نملك فيها القدرة على رفع معنويات إنسان أو إحراجه وعلى منحه شعوراً جميلاً أو تركه يحمل سؤالاً مؤلماً في داخله.
وحين نكون في مجلس أو مكان عام لا ينبغي أن ننسى أن أمامنا إنساناً له مشاعره وكرامته وليس مجرد شخص يمكن أن يصبح موضوعاً للحديث أو المزاح أو التعليق.
أما حين نرى شخصاً يتعرض للإحراج أمامنا فللدور الإنساني مساحة واسعة دون أن نحتاج إلى تحويل الموقف إلى مواجهة.
يمكن أن تكون المساندة بكلمة تعيد إليه مكانته أو بتغيير مسار الحديث أو بإشراكه في الكلام أو بالجلوس إلى جواره أو بالتعامل معه باهتمام يشعره بأنه مقدّر ومحترم.
وأحياناً يكفي أن نمنح الشخص مساحة آمنة ليخرج من الموقف دون أن يشعر أن الجميع كان يتفرج عليه.
ولسنا مطالبين بأن ندخل في مواجهة مع كل شخص لكن يمكننا أن نختار طريقة تحفظ للآخر مكانته دون أن نزيد الموقف سوءاً.
فقد يكون تغيير الحديث كافياً أو إشراك الشخص في موضوع آخر أو منحه اهتماماً يعيد إليه شعوره بأنه حاضر ومقدّر.
وأحياناً لا يحتاج الإنسان إلى من ينتصر له بقدر حاجته إلى من لا يتركه وحيداً في لحظة شعر فيها أنه أقل من غيره.
أما من تعرض للأذى فلا ينبغي أن يظن أن عليه أن يرد حتى يثبت قوته.
إذا كان الموقف يحتاج إلى توضيح فليكن الحديث في مكان مناسب وبكلمات واضحة بعيداً عن أعين الآخرين.
يمكن أن تقول لمن أخطأ في حقك:
«طريقتك في هذا الموقف أزعجتني وأفضل أن نتحدث في الأمر باحترام».
بهذه الطريقة تحمي حقك دون أن تصنع أذى جديداً.
وإذا تكرر الأسلوب فمن حق الإنسان أن يضع حدوداً وأن يقلل احتكاكه بمن يؤذيه وأن يختار المسافة التي تحفظ له كرامته.
فالحدود ليست قسوة والابتعاد ليس ضعفاً وعدم الدخول في كل مواجهة ليس عجزاً.
وأحياناً يكون الشخص الذي يؤذينا قريباً منا ولا نستطيع أن نخرجه من حياتنا ببساطة.
هنا يصبح التعامل أكثر حكمة؛ نختار ما نناقشه وما نتجاوزه وما نضع له حداً واضحاً ونحاول ألا نجعل كل موقف سبباً في خصومة جديدة.
القرب لا يعني أن نسمح بالإساءة وصلة الإنسان بنا لا تمنحه حق انتهاك كرامتنا.
وقد يصل الإنسان أحياناً إلى مرحلة يدرك فيها أن بعض المواقف لا تستحق أن يمنحها مزيداً من مشاعره.
وحين يضيق صدر الإنسان بما يواجهه من كلام أو تصرفات فله ملجأ إلى الله سبحانه وتعالى ولا يكون علاج الأذى دائماً بالرد على من آذاه.
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾
ما أعمق أن يجد الإنسان في هذه الآية ما يطمئنه حين يضيق صدره مما يسمعه أو يواجهه.
فالله عز وجل يعلم ضيق الصدر ويعلم ما يثقل النفس ويأتي التوجيه إلى التسبيح والسجود واللجوء إليه.
وهنا يستطيع الإنسان أن يحفظ حقه وأن يضع حدوده وأن يرفض الإساءة ثم يترك لله عز وجل ما عجز عن تغييره.
فليس كل موقف يحتاج إلى رد وليس كل موقف يحتاج إلى مواجهة.
وأحياناً يكون أفضل ما نفعله أن نخرج من الموقف دون أن نرد الأذى بأذى جديد.
نحفظ لساننا ونحفظ كرامتنا ونرفض أن نرد الجرح بجرح جديد.
وفي الجهة الأخرى من اعتاد إحراج الناس والتقليل منهم يحتاج إلى وقفة مع نفسه.
قد يظن أن أسلوبه مجرد صراحة أو أن شدته تفرض الاحترام أو أن المزاح يبرر ما يقوله لكن الإنسان لا يحتاج إلى أن يصغر أمامك حتى تشعر أنت بأنك كبير.
والصراحة لا تعني أن نقول كل ما يخطر في أذهاننا بالطريقة التي نريدها فهناك فرق بين صدق الكلام وطريقة تقديمه.
يمكن للإنسان أن يكون صريحاً ومحترماً في الوقت نفسه وأن يقول ما يريد دون أن يحول صراحته إلى وسيلة للانتقاص من الآخرين.
وإذا كان الإنسان أباً أو أماً أو معلماً أو مسؤولاً أو صاحب مكانة في محيطه فمسؤوليته أكبر في أن ينتبه إلى طريقته في التعامل.
فالطفل الذي يُحرج أمام إخوته أو الطالب الذي يُقلل من شأنه أمام زملائه أو الموظف الذي يُوبخ أمام الآخرين قد يتعلم من الموقف شيئاً أكبر من الكلمات التي سمعها.
وقد يتعلم أن القوة تعني إحراج الأضعف أو أن الخطأ يستحق الإهانة أو أن الاعتذار ضعف.
ولهذا تبدأ حماية كرامة الآخرين من التربية التي نقدمها لمن هم أصغر منا.
نحن لا نربي أبناءنا بالكلمات فقط بل بالطريقة التي يروننا بها نتعامل مع الناس.
وقد ينسى الطفل كثيراً مما قيل له لكنه قد يتذكر طويلاً كيف شعر عندما أُحرج أمام من يحب أو أمام من يهمه رأيهم.
وهنا تصبح مسؤولية الكبير أكبر لأن الكلمة التي يظنها بسيطة قد تصبح درساً كاملاً في نفس من هو أصغر منه.
وإذا أخطأنا في حق أحد فالاعتذار ليس نقصاً.
لكن الاعتذار الحقيقي لا يكون بعبارة تحمل الطرف الآخر مسؤولية مشاعره مثل «إذا زعلت فأنا آسف».
الاعتذار الصادق أن نعترف بما فعلناه وأن نفهم لماذا كان مؤذياً وأن نحاول ألا نكرره.
أن نقول:
«أخطأت في طريقتي معك وكان بإمكاني أن أتعامل مع الموقف بشكل أفضل».
هذه ليست هزيمة بل احترام للإنسان واحترام للنفس أيضاً.
فليس من حقنا أن نقرر للآخر كيف يجب أن يشعر.
قد نرى الموقف بسيطاً لكننا لا نملك التجربة التي عاشها الشخص الآخر من الداخل.
وهذا لا يعني أن نوافق الناس في كل شيء وإنما يعني أن نختلف معهم دون أن نسلبهم حقهم في الاحترام.
وليس مطلوباً أن نتفق مع كل مشاعر الآخرين حتى نحترمها فاحترام شعور الإنسان لا يعني بالضرورة تبني وجهة نظره وإنما يعني ألا نسخر من إحساسه أو نقلل منه أو نقرر نيابة عنه ما ينبغي أن يشعر به.
وربما لا نستطيع أن نغير كل شخص يؤذي الآخرين ولا أن نمنع كل موقف محرج من الحدوث.
لكننا نستطيع أن نختار موقعنا منه.
لا نكون سبباً في الإحراج ولا جمهوراً يشجعه ولا طرفاً يزيد الموقف قسوة.
فبعض الناس لا يحتاجون منا إلى كثير من الكلام؛ يحتاجون فقط أن نحفظ لهم مكانتهم.
أن نتركهم من مجلسنا أو حديثنا وهم يشعرون أنهم مقدّرون ومحترمون.
فليس كل جرح يُرى وليس كل ألم يُحكى.
وبعض المواقف قد تنتهي أمام أعيننا لكنها تبقى في نفس صاحبها فترة طويلة ولهذا علينا أن ننتبه قبل أن نمنح أحداً شعوراً لا يستحق أن يحمله بسببنا.
قد نكون بالنسبة إلى أحدهم سبباً في ابتسامة يحتاجها وقد نكون موقفاً يتمنى لو أنه لم يعشه.
والفرق بين الأمرين قد يكون كلمة أو تصرفاً أو لحظة انتباه.
وربما لا نحتاج في كل مرة إلى أن نفكر كثيراً قبل أن نتعامل بل يكفي أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً قبل أن نقول أو نفعل:
لو كنت مكانه هل كنت سأقبل أن يحدث معي هذا أمام الآخرين؟
قد لا يجعلنا هذا السؤال نتفق دائماً لكنه قد يجعلنا أكثر انتباهاً إلى الطريقة التي نعامل بها من حولنا.
وفي النهاية لسنا مطالبين بإصلاح كل شخص ولا نستطيع أن نتحكم في طريقة تعامل الجميع.
لكننا نستطيع أن نقرر من نكون نحن.
أن نختلف دون أن نجرح وأن نرفض دون أن نهين وأن نضع حدوداً دون أن نكسر وأن نعتذر حين نخطئ وأن نساند من وجدناه في موقف لا يليق به.
فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يحمل عنه كل ألمه لكنه يحتاج إلى ألا نكون نحن سبباً في ألم جديد.
ولعل أجمل ما نتركه في حياة الآخرين أن يشعروا بعد لقائنا بهم أنهم كانوا موضع احترام وأن كرامتهم كانت محفوظة.
فليكن حضورنا في حياة الناس سبباً في ابتسامة يحتاجونها لا موقفاً يتمنون لو أنهم لم يعيشوه.
فحين ننسى أن أمامنا إنساناً قد نتصرف بطريقة نراها بسيطة بينما يراها الطرف الآخر تجربة لا يريد أن يعيشها مرة أخرى.
وحين نتذكر أن أمامنا إنساناً تتغير طريقة كلامنا وطريقة اختلافنا وطريقة رفضنا وحتى طريقة صمتنا.
باختصار ياسيداتي ويا سادة:
الاحترام في النهاية ليس مجاملة نقدمها للآخرين بل يظهر في طريقة تعاملنا معهم عندما نملك القدرة على الاختيار.
وقد نملك كلمة ترفع إنساناً وكلمة تكسره
فلنختر الأول

