Site icon صحيفة صدى نيوز إس

نهضة وطن ورؤية قائد: الخطاب الملكي السنوي يرسم ملامح المرحلة المقبلة

بقلم: أحمد علي بكري

ألقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026، الخطاب الملكي السنوي نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وذلك خلال افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، في خطاب استعرض مسارات المملكة خلال المرحلة المقبلة، مستندًا إلى ما تحقق خلال عشر سنوات من إطلاق رؤية السعودية 2030، ومتناولًا في الوقت نفسه ملفات الاقتصاد والتنمية والأمن والطاقة والقضايا الإقليمية والدولية.

واستهل سمو ولي العهد الخطاب بالتأكيد على الثوابت التي قامت عليها الدولة السعودية، مشيرًا إلى أن المملكة ستكمل في يوم التأسيس القادم 300 عام منذ نشأتها، وأن الدولة قامت في جميع مراحلها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، متمسكة بالتوحيد والعدل، ومواصلة المحافظة على إرثها وقيمها الأصيلة، كما أكد أن خدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها تمثل شرفًا ومسؤولية متوارثة توليها الدولة عناية واهتمامًا كبيرين.

وفي محور التنمية والاقتصاد، كشف الخطاب عن حصيلة عشر سنوات من رؤية السعودية 2030، موضحًا أن مؤشرات الأداء لبرامج واستراتيجيات الرؤية حققت 93% من مستهدفاتها، فيما سجلت الصادرات غير النفطية نموًا بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%، في حين أثبتت منظومة النقل والخدمات اللوجستية قدرتها على التعامل مع المتغيرات في سلاسل الإمداد والمحافظة على انسيابية حركة السلع والخدمات.

وتناول الخطاب المرحلة المقبلة من عمل صندوق الاستثمارات العامة، الذي باشر استراتيجيته للخمس سنوات القادمة، مع التركيز على بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرات تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمحتوى المحلي، ودعم التحول الاقتصادي والوصول إلى عوائد مالية مستدامة، بالتوازي مع إسهام صندوق التنمية الوطني في تنمية عدد من القطاعات وتمويل مستهدفاتها.

وعلى صعيد الحضور العالمي، أشار الخطاب إلى تقدم المملكة في عدد من المؤشرات الدولية، من بينها تصدرها مؤشرات الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات والتقنية والأمن السيبراني، إلى جانب حلولها في المرتبة الثانية في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، ودخولها قائمة الدول العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني. كما أكد سمو ولي العهد أن المملكة جعلت عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجهها إلى تطوير تطبيقات وحلول الذكاء الاصطناعي، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتأهيل الكفاءات السعودية في هذا المجال.

وفي الشأن الاجتماعي، أكد الخطاب أن الهدف الأساسي لسياسات الدولة يتمثل في رفعة الوطن وتحسين جودة الحياة، مع استمرار إعطاء قطاعي التعليم والصحة أولوية في ميزانية الدولة، والعمل على رفع جودة التعليم وتسريع التحول الصحي وتوسيع نطاق الخدمات الصحية. كما أشار إلى نجاح المملكة في خفض نسب البطالة، مع استمرار الاستثمار في رأس المال البشري بما يعزز فرص المواطنين في سوق العمل ويدعم قدرتهم على المنافسة والتميز في مختلف المجالات.

وفي قطاع الإسكان والعقار، أوضح سمو ولي العهد أن إجراءات إصلاح القطاع العقاري أسهمت في توفير خيارات متعددة للمواطنين وتعزيز كفاءة السوق ورفع نسبة تملك المساكن، مؤكدًا استمرار العمل على معالجة التحديات التي تواجه القطاع، بما يحقق المنفعة للمواطنين ويحافظ في الوقت نفسه على مسار التنمية والاستقرار المالي والاقتصادي للدولة.

أما على صعيد الأمن الوطني والإقليمي، فقد أكد الخطاب امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة تمكنها، بحول الله تعالى، من التصدي للتهديدات وردعها، مشددًا على أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها كل لا يتجزأ، وأن المملكة تعمل مع دول المجلس على صون الأمن الخليجي وتعزيز التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي.

وفي سياق تعزيز الاستقرار الإقليمي، أشار سمو ولي العهد إلى إنشاء «حلف مكة الدفاعي» بين المملكة وتركيا وباكستان، بوصفه إطارًا للتعاون في تعزيز الأمن والاستقرار وتنسيق الجهود في مواجهة التوترات والصراعات، مؤكدًا في الوقت ذاته تقدير المملكة لمواقف الدول الشقيقة والصديقة وإسهاماتها في دعم الأمن والاستقرار.

وتطرق الخطاب إلى أزمة الطاقة العالمية، مؤكدًا أن العالم يواجه أزمة طاقة مفتوحة الاحتمالات، وأن المملكة واصلت أداء دورها في أمن الطاقة العالمي من خلال قدرتها على توفير الإمدادات النفطية للأسواق الدولية رغم التصعيد. كما أشار إلى مبادرة المملكة لإنشاء «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» لتعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات البحرية الدولية، مع التشديد على أهمية التعاون الدولي وخفض التصعيد وضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.

وفي القضية الفلسطينية، جدد الخطاب الملكي موقف المملكة الثابت تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، حيث أدان سمو ولي العهد استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين في قطاع غزة والانتهاكات التي تطال المسجد الأقصى، داعيًا المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بدوره للوصول إلى حل سياسي دائم. وأكد أن التزام المملكة بحق الشعب الفلسطيني موقف راسخ وجهد مستمر لن يتوقف حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفقًا للمرجعيات الدولية.

كما تناول الخطاب الملف اليمني، مجددًا تأكيد المملكة دعمها للحكومة اليمنية الشرعية واستعادة الاستقرار وبسط سلطتها على كامل البلاد، والتصدي لاعتداءات الحوثيين، فيما أكد في الشأن السوداني موقف المملكة الداعم لوحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية وتجنيب الشعب السوداني ويلات الحرب والدمار.

واختتم سمو ولي العهد الخطاب بالتأكيد على مواصلة المملكة بذل كل جهد ممكن لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية، مع عدم التهاون في حفظ أمنها، والتأكيد على الرد الحازم تجاه أي تهديد أو اعتداء يستهدف أمن المملكة، معربًا عن الفخر بأبطال القوات الأمنية والعسكرية ويقظتهم واستعدادهم المستمر لحماية الوطن، كما وجه الشكر إلى أعضاء مجلس الشورى على جهودهم في أداء مسؤولياتهم الوطنية.

ويأتي الخطاب الملكي السنوي هذا العام في محطة لافتة تتزامن مع مرور عشر سنوات على إطلاق رؤية السعودية 2030، فيما استعرضت الكلمة حصيلة ما تحقق من برامج الرؤية ومؤشرات الأداء، بالتوازي مع رسم ملامح المرحلة المقبلة في الاقتصاد والتنمية والتحول الرقمي والأمن والسياسة الخارجية، بما يجعل الخطاب وثيقة سنوية جامعة للتوجهات العامة للمملكة وأولوياتها خلال المرحلة القادمة.

Exit mobile version