Site icon صحيفة صدى نيوز إس

السياحة الرقمية.. جسرٌ بين حماية التراث وإثراء تجربة الزائر في مكة

 

مكة المكرمة – أشواق السروجي

في إطار الاهتمام المتزايد بالحفاظ على المباني التراثية وإعادة توظيفها بما يواكب التحول الرقمي، حضرتُ ورشة عمل «إعادة توظيف المباني التراثية: من الحماية إلى التشغيل المستدام في منطقة مكة المكرمة»، التي أقيمت على مدى يومين، الثلاثاء والأربعاء 29–30 سبتمبر 2026م بتنظّم الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة و بالتعاون مع مؤسسة التراث غير الربحية

، وتناولت عدداً من المفاهيم الحديثة المرتبطة بإدارة التراث واستدامته وتوظيف التقنية في خدمته. ومن أبرز ما استوقفني خلال الورشة مفهوم السياحة الرقمية، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تفتح للمباني والمواقع التراثية مساحة جديدة للتعريف بها، دون أن تفقد هويتها أو قيمتها التاريخية. فمن خلال تقنيات مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد، والجولات الافتراضية، ورموز الاستجابة السريعة (QR)، والبيانات الرقمية، والحساسات، ونظم النمذجة معلوماتية المباني التاريخية (HBIM) والتوأم الرقمي، لم يعد المبنى التراثي مجرد منشأة تتم المحافظة عليها، بل تحول إلى مصدر حي للمعلومات والتعلم والتجربة السياحية المتكاملة.

إن الحفاظ على التراث لا ينبغي أن يقتصر على ترميم الجدران والأبواب والنوافذ، وإنما يمتد ليكون حفاظاً على الذاكرة المرتبطة بالمكان. وهنا تأتي التقنية لتساعد في توثيق تفاصيل المبنى ومكوناته وتاريخه وإتاحتها للزائر بصورة تفاعلية؛ فقد يستطيع الزائر عبر رمز (QR) الانتقال إلى جولة رقمية، أو مشاهدة صور تاريخية، أو التعرف على العناصر المعمارية، أو الاستماع إلى قصة المكان. وهذا التحول يعد في غاية الأهمية للوجهات التاريخية الكبرى، وفي مقدمتها منطقة مكة المكرمة؛ لأن الزائر المعاصر لم يعد يكتفي بالتقاط الصور، بل يبحث عن قصة، وتجربة، ومعنى.

ومن وجهة نظري كمرشدة سياحية، فإن هذه الثورة التقنية لا تلغي دور المرشد أبداً، بل ترفع من قيمته ومكانته؛ فلم يعد دوره مقتصراً على سرد المعلومات الجافة، بل أصبح محوره تحويل تلك المعطيات إلى قصة إنسانية حية يفهمها الزائر ويشعر بوجدانها. وحين تكتفي التقنية بإخبار الزائر عن عمر المبنى وتفاصيله المعمارية، يتولى المرشد إضافة الروح عبر الإجابة عن التساؤلات الإنسانية: لماذا بُني بهذه الطريقة؟ من عاش هنا؟ ماذا كان يحدث في هذا المكان؟ وما علاقته بتاريخ مكة وأهلها؟ وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المعلومة المجردة والتجربة الثرية.

ومن هذا المنطلق، أصبح لزاماً على المرشد السياحي المعاصر أن يمتلك حزمة من المهارات الجديدة التي تجمع بين المعرفة التاريخية والتراثية العميقة، والقدرة على سرد القصص وصناعة التجربة، والتعامل المتقن مع التقنيات الرقمية والمحتوى التفاعلي، إلى جانب التحقق من دقة المعلومات وربطها الواعي بين المكان والإنسان والقصة، ليكون بحق مترجماً للهوية الثقافية.

إن إعادة توظيف المباني التراثية لا تنبغي أن تتوقف عند حدود الترميم، بل تمتد لتخلق وظائف وتجارب مستدامة تجعل المكان حياً وفاعلاً في حياة الناس والزوار. ومن هنا تأتي السياحة الرقمية لتشكل ركيزة أساسية في منظومة أكبر تجمع بين حماية التراث، وتوثيقه، وتشغيله، وإثراء تجربة الزائر واستدامته. وفي مكة المكرمة التي تزخر بتاريخ معماري وثقافي فريد، يفتح هذا التكامل آفاقاً واسعة أمام تطوير مسارات سياحية تحكي تاريخ المكان بلغة عصريّة، وتمنح الزائر فرصة لاكتشاف مكة التي لا تُرى بالعين المجردة فحسب، بل تُفهم عبر قصصها وذاكرتها وهويتها العميقة. فالتراث الذي نحافظ عليه هو «ذاكرة»، والتراث الذي نحسن روايته يتحول إلى «تجربة»، والتراث الذي نوظف التقنية في خدمته هو الذي سيستمر حياً ونابضاً ليصل بكل ألقه إلى الأجيال القادمة.

Exit mobile version