بقلم الدكتور
معدي حسين علي آل حيه
بمناسبة تعميم وزارة الشؤون الاسلامية للحديث عن فضل الصحابة رضي الله عنهم اخترت الكتابة في هذا الموضوع مقتبس من خطبة جمعة لفضيلة الشيخ عبدالرزاق البدر حفظه الله تعالى حيث جاء الإسلام ديناً خاتماً، وأرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين. وقد اختار الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم أصحاباً أخياراً، حملوا راية الإسلام، ونصروه، وذبّوا عنه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ثم نقلوا هذا الدين إلى من بعدهم صافياً كما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتأتي منزلة الصحابة رضي الله عنهم في مقدمة الموضوعات التي اعتنى بها القرآن الكريم والسنة النبوية، لما لهم من مكانة عظيمة في تاريخ الإسلام، ولما قاموا به من جهود في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ونشر رسالته وتبليغ شريعته.
الإسلام أعظم نعم الله على عباده
يؤكد القرآن الكريم أن أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على عباده نعمة الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
وقد اختار الله لهذا الدين نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان المبلغ الأمين، والمعلم الحكيم، والداعي إلى الله على بصيرة. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].
وقد أدى النبي صلى الله عليه وسلم رسالته كاملة، فلم يترك خيراً إلا دل الأمة عليه، ولا شراً إلا حذرها منه، ثم حمل أصحابه من بعده أمانة نقل هذا الدين وتعليمه للأمة.
الصحابة.. جيل نال رضا الله وفضله
اختار الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم صحابةً كراماً نصروه وآزروه، وبذلوا مهجهم وأموالهم في سبيل نصرة الإسلام، فاستحقوا من الله الثناء والرضوان.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
كما أثنى الله عليهم في سورة الفتح بقوله سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا…﴾ [الفتح: 29].
وتكشف هذه الآيات عن صفات عظيمة اتصف بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ من العبادة، والإخلاص، والرحمة، والثبات، ونصرة الدين.
وقد جاءت السنة النبوية مؤكدة فضلهم ومكانتهم، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه.
وهذه النصوص وغيرها تؤكد أن للصحابة منزلة خاصة في الأمة، وأن معرفتهم بفضلهم والترضي عنهم من معالم المحبة والوفاء للجيل الذي حمل رسالة الإسلام في بداياتها.
الصحابة متفاضلون في الفضل
ومع اتفاق المسلمين على فضل الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم ليسوا في درجة واحدة من الفضل، فقد تفاوتت مراتبهم بحسب السبق إلى الإسلام، والهجرة، والنصرة، والجهاد، والبذل.
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10].
ومن أبرز الصحابة الذين وردت النصوص بذكر فضلهم العشرة المبشرون بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين.
وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة».
الخلفاء الراشدون ومكانتهم
كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في مقدمة الصحابة فضلاً ومكانة، وهم الخلفاء الراشدون الذين تعاقبوا على قيادة الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم».
كما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبو بكر»، قيل: ثم من؟ قال: «ثم عمر».
وتضافرت الآثار والأحاديث في بيان فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومكانتهما، حتى عُدّا من أبرز أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأرفعهم منزلة.
أمانة نقل الدين
كان الصحابة رضي الله عنهم حلقة الوصل التي نقلت للأمة القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد سمعوا منه، وحفظوا عنه، وفهموا ما بلّغهم، ثم نقلوه إلى من بعدهم.
ومن هنا ارتبط حفظ مكانة الصحابة بحفظ مصدر مهم من مصادر معرفة الدين؛ إذ إن جمهور السنة النبوية التي وصلت إلى الأمة جاءت من طريقهم، ولذلك اعتنى علماء الإسلام بإثبات عدالتهم ومعرفة سيرهم ومناقبهم.
ومن السنة محبة الصحابة، والترضي عنهم، ومعرفة فضلهم، وذكر محاسنهم، والكف عما شجر بينهم، مع الإيمان بأنهم بشر غير معصومين من الخطأ، وأن لهم من الفضائل والسابقة ما يجعل لهم مكانة رفيعة في تاريخ الإسلام.
منهج أهل السنة في التعامل مع الصحابة
يقوم منهج أهل السنة والجماعة في شأن الصحابة رضي الله عنهم على المحبة والإنصاف، وإثبات فضلهم، والترضي عنهم، من غير غلو ولا جفاء.
ويؤكد القرآن الكريم هذا المنهج في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
وفي هذه الآية توجيه واضح إلى سلامة القلب تجاه المؤمنين السابقين، والدعاء لهم، وعدم حمل الغل عليهم.
كما أن من السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، ومعرفة فضلهم وسابقتهم، والكف عن الخوض فيما شجر بينهم.
محبة الصحابة من معاني الوفاء للدين
إن محبة الصحابة رضي الله عنهم ليست مجرد معرفة تاريخية لأسماء وشخصيات عاشت في زمن مضى، وإنما هي ارتباط بجيل كان له دور محوري في حفظ رسالة الإسلام ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
لقد شهدوا التنزيل، وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وتعلموا منه، وجاهدوا معه، وتحملوا المشاق في سبيل نشر الإسلام، ثم نقلوا ما تعلموه إلى من بعدهم.
ولهذا فإن استحضار سيرتهم ومواقفهم، وتعليم الأبناء والناشئة أخبارهم وفضائلهم، وربط الأجيال بتاريخ صدر الإسلام، من الوسائل المهمة في تعزيز المعرفة بالسيرة النبوية وترسيخ القيم المستفادة من ذلك الجيل، مثل الصدق، والصبر، والتضحية، والأمانة، والنصرة، والإيثار.
وإذا كانت الأمة المسلمة تستحضر دائماً فضل من أسهموا في نقل العلم والدين، فإن الصحابة رضي الله عنهم يحتلون مكانة بارزة في هذا الباب؛ فقد كانوا شهود مرحلة التأسيس الأولى، وحملة الوحي والسنة إلى من جاء بعدهم.
دعاء بالرضا عن الصحابة
ومن الدعاء الجامع الذي جاء في القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
ويسأل المسلم ربه أن يرضى عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجزيهم عن الأمة خير الجزاء، وأن يرزق المسلمين محبتهم ومعرفة فضلهم، وأن يجعل القلوب عامرة بالإيمان والرحمة والسلامة من الغل والبغضاء.
كما يشرع للمسلم أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً».
خاتمة
إن الحديث عن الصحابة رضي الله عنهم حديث عن جيلٍ شهد النبوة، وتلقى الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسهم في نقل رسالته إلى الأمة. وقد جمع القرآن الكريم والسنة النبوية نصوصاً كثيرة في بيان فضلهم وسبقهم ومكانتهم.
ومن الوفاء لهذا الجيل أن تُعرّف الأجيال الجديدة بسيرته ومواقفه، وأن تُدرّس لهم القيم العظيمة التي ظهرت في حياتهم، وأن يُحفظ لهم قدرهم، ويُترحم عليهم، ويُدعى لهم بالرضوان.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
رضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجمعنا بهم في دار كرامته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

