Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

 

الإعلامي/ عادل بن محمد البكري

أحيانًا لا يدرك الإنسان حجم الثمن الذي قد يدفعه حين ينطق بكلمة الحق.

قد يقولها بصدق، ويكشف أمرًا كان يحتاج إلى أن يُكشف، ثم يجد نفسه أمام حربٍ من نوع آخر؛ حرب لا تُسمع أصواتها، لكنها تُرهق النفس وتستنزف الإنسان يومًا بعد يوم.

لماذا قلت الحق؟

لماذا تكلمت؟

لماذا لم تصمت؟

أسئلة قد تُرمى في وجه من اختار الصراحة، وكأن المشكلة لم تكن في الأمر الذي كُشف، بل في الشخص الذي امتلك الشجاعة ليتحدث عنه.

ثم تبدأ مرحلة أكثر قسوة.

لا يتوقف الأذى عند الشخص وحده، وقد تمتد آثاره إلى نفسيته، وإلى حياته اليومية، وإلى أهله وأبنائه ومحيطه الاجتماعي.

تتغير المعاملة.

تتسع المسافات.

تُزرع الشكوك.

وتتحول تفاصيل الحياة إلى وسيلة للضغط والترصد والانتقام.

وهنا يصبح الوجع أكبر من مجرد خلاف.

فالإنسان يستطيع أن يتحمل كلمة قاسية، لكنه ينهار من الداخل حين يشعر أن بيته ومن حوله أصبحوا ساحة لمعركة لم يختروها.

قد يعود إلى منزله وهو يحمل صمتًا لا يستطيع تفسيره.

يجلس بين أهله، لكنه ليس كما كان.

يخالط الناس، لكنه يخفي وراء ابتسامته شيئًا لا يعرفه أحد.

وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، تبدأ الأسئلة التي لا يسمعها أحد.

هل كان يستحق كل هذا لأنه قال الحقيقة؟

هل كان الصمت سيكون أرحم؟

هل كان عليه أن يتنازل عن قناعته حتى يحمي من يحبهم من الأذى؟

والأشد ألمًا أن تتحول بعض الخلافات إلى حرب نفسية تمتد آثارها إلى الأبناء، فيدفع أشخاص لم يكونوا طرفًا في الخلاف ثمن موقف لم يختاروه.

وهذه إحدى أخطر صور التفكير المسموم، حين يتحول الاختلاف إلى استهداف، والاستهداف إلى ترصد، والترصد إلى محاولة لإيذاء الإنسان في تفاصيل حياته.

 

أن يُحاصر الإنسان نفسيًا.

أن يُضيَّق عليه اجتماعيًا.

أن تمتد الخصومة إلى أقرب الناس إليه.

أن يصبح الأبناء جزءًا من عقوبة لم يرتكبوها.

كل ذلك لا يصنع حقًا، ولا يثبت باطلًا، وإنما يصنع جرحًا جديدًا في حياة الإنسان.

ومع ذلك، يبقى هناك شيء لا يستطيع الظلم انتزاعه.

كرامة الإنسان.

قد يتألم.

قد يبكي بعيدًا عن أعين الناس.

قد يشعر أنه وحيد في معركة طويلة.

لكنه يستطيع أن يرفض الانتقام.

أن يرفض التشويه.

وأن يرفض أن يتحول من مظلوم إلى ظالم.

وهنا تكمن قوة الإنسان الحقيقية؛ أن يتألم دون أن يؤلم، وأن يُساء إليه دون أن يجعل الإساءة مبررًا لإيذاء الآخرين.

أما إذا تجاوز الأمر حدوده، ووصل إلى الترصد والإضرار والاعتداء على الخصوصية أو محاولة إيذاء الإنسان ومن حوله، فلا ينبغي أن يُترك الأمر حتى يتفاقم.

الحل الجذري يبدأ بإيقاف هذه التصرفات العدائية من جذورها، وعدم السماح لها بالتمدد أو الانتقال من الشخص إلى أبنائه ومحيطه الاجتماعي.

كل تجاوز يجب أن يتوقف عند حدّه.

وكل اعتداء يجب أن يُواجه بالطرق النظامية.

وكل محاولة للانتقام أو الترصد أو الإضرار يجب ألا تتحول إلى سلوك متكرر داخل حياة الإنسان.

 

فالوعي حماية.

والحزم ضرورة.

والأنظمة وُجدت لحفظ الحقوق ومنع التجاوزات.

وحماية الإنسان ومن يشاركونه حياته من آثار الاستهداف ليست ترفًا، بل ضرورة لاستمرار الحياة بصورة آمنة ومستقرة.

الحل ليس في الانتظار حتى تتفاقم الأضرار، وإنما في قطع الطريق على كل سلوك عدائي منذ بدايته، وحماية المتضرر ومن حوله، ومحاسبة من يتجاوز الحدود وفق الأنظمة.

فحين تُوضع الحدود بوضوح، وتُحمى الحقوق بحزم، ويُمنع الانتقام والترصد من التحول إلى أسلوب حياة، تنقطع دائرة الأذى من جذورها.

وقد يطارد الظلم الحقيقة لبعض الوقت.

وقد يُرهق صاحبها.

وقد يدفع من راحته وأيامه الكثير.

لكن الحقيقة لا تحتاج إلى الانتقام كي تبقى.

والإنسان لا يحتاج إلى أن يصبح قاسيًا كي يحمي نفسه.

يكفيه أن يعرف حقوقه، ويحفظ كرامته، ويحمي من يحب، ويواجه التجاوز بما يضع له حدًا.

فليس كل من صمت قد نسي، وليس كل من ابتسم قد تعافى، وليس كل من ابتعد قد انتهى من وجعه.

هناك إنسان يحمل في داخله قصة كاملة، ويعيش تفاصيلها كل يوم، لكنه يختار أن يبقى إنسانًا رغم كل ما مر به.

قصة بدأت بكلمة حق.

ثم تحولت إلى ثمن طويل من الألم.

ومع ذلك بقي واقفًا.

 

لأن الظلم قد يُتعب الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة.

 

وفي الختام

قد يحاصر الإنسان من حوله، لكنه ما دام يملك من الوعي والقوة ما يزلزل الباطل من أعماقه، ويهدم أساس الشر مهما بلغت قوته، فلن يكون الحزم غيابًا للرحمة، بل يكون أحيانًا ضرورةً

وحين يبلغ الأمر حدَّه، ينتهي كل شيء بالحزم.

لوضع حدٍّ للتجاوز، وحماية الإنسان ومن حوله، وإعادة الحق إلى موضعه.

Exit mobile version