Site icon صحيفة صدى نيوز إس

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

 

بقلم أحمد علي بكري

في الحياة أشخاص لا يكون رحيلهم خسارة، بل يكون أحيانًا استردادًا لشيء ثمين فقدناه ونحن نحاول الاحتفاظ بهم؛ استردادًا لكرامتنا، وطمأنينتنا، وحقنا في أن نعيش دون أن نقضي أعمارنا في إثبات قيمتنا لمن قرر مسبقًا ألا يراها. وليس كل فراق مأساة، كما أن كل بقاء ليس فضيلة؛ فبعض العلاقات تنتهي في اللحظة التي ندرك فيها أن وجود الطرف الآخر لم يعد يضيف إلى حياتنا معنى، وإنما ينتقص منها شيئًا بعد شيء. ولهذا فإن هناك خمسة أصناف من البشر، إذا خرجوا من حياتك، فلا تجعل الحنين يعيدهم، ولا تجعل الذكريات تخدعك، ولا تحمل نفسك ذنب الرحيل؛ لأن بعض الأبواب حين تُغلق لا ينبغي أن نطرقها مرة أخرى، ليس انتقامًا من أحد، وإنما احترامًا لأنفسنا.

أولهم: من يترصد زلتك. هناك من لا ينظر إليك بعين الإنسان الذي يعرف أنك تخطئ وتصيب، وتتعثر وتنهض، وإنما يقف في حياتك كمن ينتظر لحظة سقوطك حتى يثبت لنفسه وللآخرين أنك لم تكن يومًا كما ظنوا. هذا الإنسان لا يرى سنوات إحسانك، ولا يتذكر مواقفك الجميلة، ولا يزن خطأك بحجمه الحقيقي؛ بل يحوله إلى تعريف كامل لشخصيتك. إنه لا يبحث عن حقيقتك، وإنما يبحث عن ثغرة يستخدمها ضدك. والمشكلة ليست في أن يراك مخطئًا، فالنقد الصادق قد يكون رحمة، وإنما المشكلة في أن يتحول خطؤك عنده إلى مناسبة للشماتة والتشفي والتقليل منك. الإنسان الناضج لا يطلب من الآخرين العصمة، لكنه يطلب منهم العدل؛ فإذا وجدت شخصًا يختزل تاريخك كله في زلة، ويجمع أخطاءك كما يجمع المرء الأدلة في محاكمة، فاعلم أن المسافة بينك وبينه قد تكون أرحم من ألف اعتذار.

وثانيهم: من استرخص قيمتك. أخطر العلاقات ليست تلك التي تنتهي بصوت مرتفع، وإنما تلك التي تجعلك بمرور الوقت تشك في نفسك. أن تعطي إنسانًا من وقتك، واهتمامك، وصدقك، ووفائك، ثم تجد نفسك دائمًا مطالبًا بإثبات أنك تستحق مكانك في حياته؛ هنا لا تكون المشكلة في قلة ما قدمت، بل في عين لا تعرف قيمة ما أمامها. بعض الناس لا يشعرون بقيمة الإنسان إلا بعد فقده، لأنهم اعتادوا وجوده حتى أصبح في نظرهم أمرًا مضمونًا. لكن الإنسان ليس أثاثًا في حياة أحد، ولا ينبغي أن يتحول عطاؤه إلى شيء مستهلك لا يلتفت إليه أحد إلا حين يغيب. من استرخصك، لا تدخل معه في مزاد لإثبات قيمتك؛ فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ، والكرامة لا تحتاج إلى شهادة من شخص قرر ألا يراك كما أنت. اخرج بهدوء، فبعض الانسحابات ليست هروبًا، وإنما إعلان صامت بأنك عرفت أخيرًا مقدار نفسك.

وثالثهم: من هانت عليه عشرتك. العشرة ليست عدد السنوات التي قضيتها مع شخص، وإنما هي رصيد من المواقف والذكريات والوقوف المتبادل في الأيام السهلة والصعبة. ولذلك فإن من يفرط في عشرة طويلة بسبب موقف عابر، أو يتعامل مع ما بينكما وكأنه لم يكن، يكشف أن مفهومه للوفاء مختلف تمامًا عن مفهومك. ليست كل علاقة قديمة علاقة عميقة، كما أن طول المعرفة لا يضمن صدق المودة؛ فقد يعيش إنسان معك أعوامًا ولا يعرفك حقًا، بينما يقف إلى جوارك شخص في موقف واحد فيختصر عليك معنى الصداقة والوفاء. إن من هانت عليه عشرتك لا تحاول إقناعه بقيمتها، لأن من لم يشعر بها طوال الطريق لن يدركها بمجرد أن تشرحها له. العشرة الحقيقية لا تُستجدى، والوفاء لا يُطلب بالترجي، والمحبة التي تحتاج في كل مرة إلى تذكير صاحبها بماضيها قد تكون قد ماتت قبل أن تعلن وفاتها.

ورابعهم: من تركك وقت شدتك. في الرخاء تتسع دائرة المحيطين بك، ويكثر من يضحك معك ويشاركك نجاحك ويظهر في مناسباتك، لكن الشدة تمتلك قدرة عجيبة على إعادة ترتيب الوجوه والأسماء والمواقف. عند الأزمات لا تحتاج إلى عشرات الأشخاص؛ تحتاج إلى قلب واحد لا يرحل عندما تضيق بك الدنيا. ولذلك فإن من اختفى حين احتجته، أو ابتعد حين كنت في أمس الحاجة إلى كلمة، أو موقف، أو مجرد حضور، قد يكون قد قدم لك دون أن يقصد درسًا لا تنساه: ليس كل قريب قريبًا، وليس كل صديق صديقًا، وليس كل من قال “أنا معك” قادرًا على البقاء حين تصبح معك الأيام ثقيلة. ولا يعني هذا أن تطلب من الناس أن يحلوا مشكلاتك أو أن يحملوا عنك أعباءك، فالناس لهم ظروفهم وحدودهم، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين العجز عن المساعدة وبين التخلي المتعمد، وبين عدم القدرة على حل الأزمة وبين الغياب الكامل عن صاحبها. الشدائد لا تصنع دائمًا المواقف، لكنها تكشف كثيرًا من المعادن التي كانت مخفية تحت لمعان الأيام السهلة.

وخامسهم، وربما أشدهم أثرًا: من استكثر عليك سعادتك. هذا هو الإنسان الذي لا يؤلمه حزنك بقدر ما تزعجه سعادتك، ولا يضايقه فشلك بقدر ما يزعجه نجاحك، ولا يزعجه أن تبقى كما أنت بقدر ما يزعجه أن تتقدم وتتغير وتحقق ما تمنيت. إن بعض النفوس تستطيع أن تقف بجانبك ما دمت في مكان لا يهدد مقارنتها بك، فإذا ارتفعت خطوة بدأت الأسئلة، وإذا نجحت ظهرت التبريرات، وإذا فرحت ظهرت محاولات إفساد الفرح. وهذا النوع من العلاقات مرهق؛ لأنك لا تعيش فيها حياتك، بل تعيش وأنت تراقب مشاعر الآخر تجاه حياتك. فتبدأ بتصغير إنجازاتك حتى لا يغضب، وإخفاء أفراحك حتى لا يحسد، والاعتذار عن نجاحك حتى لا يشعر بالنقص. وهنا تصبح المشكلة أعمق من الحسد نفسه؛ لأنك تتحول تدريجيًا إلى شخص يعتذر عن كونه سعيدًا. لا ينبغي للإنسان أن يطفئ نوره حتى يشعر الآخرون بالراحة، كما لا ينبغي له أن يتعمد استفزازهم بنجاحه؛ المطلوب هو أن يعيش بامتنان واتزان، وأن يعرف أن سعادة الإنسان ليست جريمة تستوجب الاعتذار.

والأعمق من هذه الأصناف الخمسة أن الفراق في بعض الأحيان ليس قرارًا ضد الآخر، وإنما قرار لصالح الذات. نحن نتصور أن التخلي عن شخص يعني أننا خسرناه، بينما قد يكون الواقع أننا تخلينا عن نسخة منا كانت تتألم من أجل بقائه. كم من إنسان ظل سنوات يمسك بعلاقة انتهت معنويًا قبل أن تنتهي فعليًا، لأنه كان يخاف من الفراغ أكثر مما يخاف من الألم. وكم من شخص استمر في تبرير الإساءة لأنه لا يريد أن يعترف بأن الإنسان الذي أحبه لم يعد الشخص الذي كان يراه في بداية الطريق. الإنسان لا يتعلق دائمًا بالأشخاص، بل يتعلق أحيانًا بالذكريات التي صنعها معهم، وبالصورة التي رسمها لهم في داخله، وبالوعود التي كان يتمنى أن تتحقق، ولذلك يصبح الفراق مؤلمًا ليس لأن الشخص يستحق البقاء، وإنما لأننا نحتاج إلى الحداد على أشياء كثيرة انتهت معه.

وهنا يظهر الفرق بين التسامح والعودة. قد تسامح شخصًا ولا تعيده إلى المكان نفسه في حياتك، وقد تتجاوز الإساءة دون أن تعيد الثقة إلى ما كانت عليه، وقد تنتهي علاقتك بإنسان دون أن تحمل له كراهية. التسامح تحرير للنفس من ثقل الماضي، لكنه ليس عقدًا يلزمك بإعادة فتح الباب. ومن الحكمة أن نفرق بين قلب يسامح وعقل يتعلم؛ فالقلب قد يقول: لا أريد أن أكرهك، والعقل يقول: لكنني لن أكرر التجربة بالطريقة نفسها. وهذه ليست قسوة، بل نضج.

إن أكثر ما يرهق الإنسان أنه يريد أن يكون مفهومًا لدى الجميع، وأن يثبت حسن نيته لكل من أساء فهمه، وأن يشرح نفسه لكل من اتهمه، وأن يبرر مواقفه لكل من اختار تفسيرها بسوء. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع التحكم في الصورة التي يصنعها الآخرون عنه، ولا يستطيع إجبار أحد على الإنصاف. ستجد من يراك طيبًا، ومن يراك ساذجًا؛ من يراك كريمًا، ومن يراك مبذرًا؛ من يراك قويًا، ومن يراك قاسيًا؛ ومن يراك صادقًا، ومن يراك مزعجًا لأن صدقك لا يناسب ما يريد سماعه. لذلك فإن النضج يبدأ عندما تتوقف عن محاولة إرضاء الجميع، وتبدأ في سؤال نفسك سؤالًا أكثر أهمية: هل أنا أعيش بما ينسجم مع قيمي وضميري؟

والفراق الناضج لا يحتاج إلى ضجيج. ليس من الضروري أن تكتب رسالة طويلة لمن رحل، ولا أن تفضحه، ولا أن تجمع الناس لتثبت أنك كنت المظلوم. بعض العلاقات يكفي أن تنتهي في صمت. دع الأيام تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. فمن يعرف قيمتك سيعرفها دون حملة دفاع، ومن قرر ألا يعرفها فلن تقنعه آلاف الحجج. وحين يرحل شخص من حياتك، لا تجعل مهمتك أن تجعله يندم؛ اجعل مهمتك أن تصبح أكثر سلامًا بعد رحيله. فالانتصار الحقيقي ليس أن يعود إليك من تركك، وإنما ألا تعود أنت إلى المكان الذي كسرك.

وفي النهاية، ليست الحكمة أن نقطع كل من أخطأ في حقنا، ولا أن نعيش بمنطق الشك والقطيعة، فالناس بشر، يخطئون ويعتذرون ويتغيرون، والعلاقات الصحية تقوم على الحوار والإصلاح وإعطاء الفرص حين تكون الفرصة مستحقة. لكن الحكمة أيضًا ألا يتحول التسامح إلى استباحة، ولا الوفاء إلى إلغاء للذات، ولا الصبر إلى قبول دائم بالإهانة. هناك لحظة يصبح فيها الرحيل فعل احترام للنفس، وحينها لا ينبغي أن نندم؛ لأن بعض الأشخاص لا يكونون فصلًا في حياتنا لكي يستمر إلى الأبد، بل لكي يعلمونا شيئًا عن الناس، وعن الحدود، وعن الكرامة، والأهم: عن أنفسنا. لذلك، إذا فارقت من يترصد زلتك، ومن استرخص قيمتك، ومن هانت عليه عشرتك، ومن تركك في شدتك، ومن استكثر عليك سعادتك، فلا تجعل الفراق نهاية حزينة؛ اجعله بداية أكثر وعيًا. امضِ في طريقك دون حقد، واحمل من التجربة درسها لا جرحها، وتذكر دائمًا أن من حقك أن تحب، وأن تسامح، وأن تعطي، لكن من حقك كذلك أن تنسحب حين يصبح بقاؤك ثمنه كرامتك وسلامك الداخلي. فبعض الناس حين يخرجون من حياتنا لا يتركون فراغًا، بل يتركون مساحة واسعة لنكتشف فيها أنفسنا من جديد.

Exit mobile version