عبدالله شراحيلي
من أغرب مفارقات النفس البشرية أن يحنّ الإنسان أحيانًا إلى أشياء كان يتمنى يومًا أن ينجو منها؛ إلى مكانٍ أثقل روحه، أو شخصٍ أرهق قلبه، أو مرحلةٍ كانت مثقلة بالقلق والهموم. وكأن الذاكرة لا تحفظ الألم كما وقع، بل تعيد رسمه في ثوبٍ أكثر نعومة، حتى يبدو ما كان وجعًا بالأمس حنينًا اليوم.
ولعل أعجب ما في هذا الحنين أن الإنسان قد يعرف الحقيقة كاملة، ثم يختار أن يغفل عنها؛ يتذكر لحظات جميلة عابرة، وينسى ليالي طويلة كان فيها يفتش عن نافذة للخلاص. يتذكر كلمة طيبة، وينسى كلماتٍ كثيرة كسرت خاطره. يشتاق إلى المكان، وينسى كم مرة خرج منه مثقل الروح. ويحن إلى الشخص، متناسيًا أن قربه كان في بعض الأيام سببًا في كثير من التعب.
إن الحنين ليس دائمًا دليلًا على أن الماضي كان جميلًا، فقد يكون أحيانًا دليلًا على أن القلب لم يُحسن إغلاق أبوابه القديمة.
بعض الناس لا يشتاقون إلى الماضي نفسه، وإنما يشتاقون إلى صورةٍ صنعوها عنه في خيالهم؛ إلى إنسانٍ تمنوه ولم يكن موجودًا كما تخيلوه، وإلى أيامٍ يتذكرون منها ما يوافق حنينهم، ويتركون خلفهم ما كان يؤلمهم.
وهنا تكمن خطورة الحنين حين يتحول من ذكرى إلى مطاردة، ومن ذكرى عابرة إلى رغبة في استعادة ما انتهى. فيبدأ الإنسان بالبحث، والسؤال، والاقتراب، وفتح الأبواب التي أغلقها الزمن، وكأنه لم يتعلم من الدرس شيئًا.
والحياة لا تكرر دروسها عبثًا.
فما خرج من حياتك بعد أن استنزف طاقتك، وأخذ من طمأنينتك، وأثقل أيامك بالقلق، ليس بالضرورة أن يكون جديرًا بالعودة لمجرد أنك اشتقت إليه. بعض الأشياء نغادرها لا لأنها كانت كلها سيئة، بل لأن وجودها في حياتنا لم يعد صالحًا لنا.
ليس كل ما نشتاق إليه يستحق أن نعود إليه.
وقد يكون أجمل انتصار يحققه الإنسان على ماضيه أن يتذكره دون أن يعود إليه، وأن يحنّ دون أن يركض خلف حنينه، وأن يقول لنفسه: لقد كنت هناك، وتألمت هناك، وتعلمت هناك، ولذلك لن أعود إلى المكان الذي احتجت طويلًا كي أنجو منه.
إن النضج ليس أن تنسى ما حدث، وإنما أن تتعلم منه. وليس أن تمحو الأشخاص والأماكن من ذاكرتك، بل أن تمنح كل شيء حجمه الحقيقي، وألا تسمح لذكرى جميلة أن تجعلك تتجاهل حقيقة مؤلمة.
فكم من بابٍ ظنناه باب السعادة، ثم اكتشفنا بعد الخروج منه أنه كان بابًا آخر للتعب.
وكم من شخصٍ ظنناه وطنًا، فإذا بنا بعد الرحيل نكتشف أن الوطن الحقيقي كان في أنفسنا، وأن الطمأنينة لا تُستعار من أحد.
وكم من ماضٍ نشتاق إليه اليوم، لو عاد بنا الزمن إليه مرة أخرى، لاخترنا النجاة منه كما اخترناها أول مرة.
لذلك، لا تجعل الحنين يخدعك.
إذا اشتقت إلى شيءٍ كان يؤلمك، فتذكر الألم أيضًا. وإذا اشتقت إلى شخصٍ أتعب قلبك، فتذكر لماذا ابتعدت. وإذا راودتك نفسك للعودة إلى مكانٍ فقدت فيه سلامك، فتذكر كم كنت تتمنى يومًا أن تجد طريق الخروج.
فليس كل حنين رسالة للعودة؛ بعض الحنين مجرد اختبارٍ لقدرتنا على تجاوز ما مضى.
وأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يكرم ماضيه بالدرس، لا بالعودة؛ وأن يحمل منه الحكمة، لا الوجع؛ وأن يمضي إلى الأمام بقلبٍ هادئ، مؤمنًا بأن ما انتهى قد انتهى لسبب، وأن السلام الذي وجده بعد الرحيل أثمن من حنينٍ قد يعيده إلى الوجع من جديد.
فالذي نجا من العاصفة، لا يعود إلى البحر بحثًا عن السفينة التي كادت تغرقه.

