كاتبة رأي ايمان المغربي
في حياتنا اليومية نمر بمواقف بسيطة في ظاهرها لكنها تكشف كثيراً عن أهمية الوضوح في تعاملنا مع بعضنا
قد يسأل شخص سؤالاً مباشراً فلا يحتاج إلى إجابة طويلة بقدر حاجته إلى معنى محدد يستطيع أن يبني عليه قراره وعندما تكون الإجابة غير واضحة قد يجد الطرف الآخر نفسه بحاجة إلى مزيد من التوضيح حتى يستطيع التصرف بالشكل المناسب
الوضوح لا يعني أن يقول الإنسان كل ما يعرف ولا أن يكشف خصوصياته ولا أن يبرر كل قرار يتخذه فلكل إنسان مساحته الخاصة التي يختار ما يشاركه منها وما يحتفظ به لنفسه لكن عندما يقرر أن يتحدث عن أمر ما فمن الأفضل أن يكون كلامه واضحاً بالقدر الذي يساعد الطرف الآخر على فهم الموقف كما هو
وهذا المعنى يظهر في تفاصيل كثيرة من الحياة
من يعرف أنه لن يحضر مناسبة يستطيع أن يعتذر مبكراً فيساعد صاحب الدعوة على معرفة العدد الفعلي وترتيب ما يحتاجه
ومن لا يستطيع تنفيذ طلب يستطيع أن يقول ذلك بوضوح فيوفر على الآخر وقت الانتظار
ومن تغير رأيه يستطيع أن يوضح تغير موقفه لأن تغير الرأي أمر طبيعي وقد يحتاج الإنسان إلى إعادة النظر في بعض قراراته وفقاً للظروف والمعطيات
هنا يصبح الوضوح قيمة عملية وليست مجرد صفة جميلة فهو يساعد الآخرين على التصرف في الوقت المناسب ويقلل من التوقعات غير الدقيقة ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر وضوحاً
والوضوح أيضاً احترام لوعي الطرف الآخر
فليس كل إنسان يحتاج إلى شرح طويل حتى يفهم وليس كل من اختار الصمت لم ينتبه لما قيل فلكل شخص طريقته في التعامل مع المواقف وقد يفضل أن يفهم ويقرر دون الدخول في نقاش طويل
ومن هنا يمكن أن نفرق بين الخصوصية والوضوح
الخصوصية حق لكل إنسان أما الوضوح فهو مهم عندما تكون هناك معلومة يحتاج إليها الطرف الآخر حتى يستطيع ترتيب أمر يخصه
كما يمكن أن نفرق بين الوضوح والقسوة
يمكن أن يكون الإنسان واضحاً دون أن يكون جارحاً وأن يرفض دون إساءة وأن يعتذر بأسلوب يحفظ تقدير الطرف الآخر وأن يختلف مع غيره مع بقاء الاحترام
والوضوح لا يعني أن يبقى الإنسان ثابتاً في كل مواقفه
قد تتغير الآراء والقرارات نتيجة تغير الظروف أو ظهور معلومات جديدة وهذا أمر طبيعي لكن المهم أن يكون التغيير واضحاً عندما يصبح من الضروري أن يعرفه من يتأثر به
فالوضوح هنا لا يتعلق بثبات الموقف بقدر ما يتعلق بوضوحه
وعندما يغيب الوضوح في بعض المواقف قد يضطر الطرف الآخر إلى الانتظار أو إعادة ترتيب وقته أو اتخاذ قرارات بناء على معلومات غير مكتملة
وقد يظن البعض أن تأجيل الإجابة يمنح وقتاً أطول للتفكير وهذا قد يكون صحيحاً أحياناً لكن عندما يكون القرار مرتبطاً بوقت أو ترتيب أو التزام فإن توضيح الموقف في الوقت المناسب يكون أكثر فائدة للجمي
لهذا فالوضوح مسؤولية تجاه الآخرين
نحن لا نتعامل مع أشخاص ينتظرون منا الكلام فقط بل مع أشخاص لديهم قرارات والتزامات ووقت ويحتاجون إلى معلومات تساعدهم على التصرف
والوضوح لا يمنع الاختلاف لكنه يجعل الاختلاف أكثر فهماً
قد نختلف بعد حديث واضح لكننا نعرف الموقف الذي نختلف حوله أما عندما تكون المعلومات غير مكتملة فقد يصبح الوصول إلى تفاهم أصعب
وفي النهاية لا يحتاج الإنسان إلى كثرة الكلام حتى يكون واضحاً
أحياناً تكون كلمة محددة في وقتها أكثر فائدة من شرح طويل لا يقدم موقفاً واضحاً
وليس مطلوباً من الإنسان أن يكشف كل ما لديه بل أن يكون مسؤولاً عن الكلام الذي اختار أن يقوله وأن يمنح الطرف الآخر ما يحتاج إليه من معلومات عندما يكون لذلك أثر في قراره أو وقته أو التزامه
فمن أمامك إنسان واع يملك حق الفهم واتخاذ قراره بناء على ما يعرفه واحترام هذا الحق لا يحتاج إلى عبارات كبيرة بل يحتاج إلى وضوح مناسب واتساق بين القول والتصرف
قد يتقبل الناس الرفض والاعتذار والاختلاف وتغير الرأي لأنها أمور طبيعية في حياة البشر لكن الوضوح يجعل التعامل معها أسهل وأكثر احتراماً
لذلك فالوضوح ليس مجرد أسلوب في الحديث بل سلوك يعكس مقدار تقديرنا لمن نتعامل معه
وحين يكون الإنسان واضحاً فيما يقول ومتسقاً فيما يفعل فهو لا يسهل تعامله مع الآخرين فقط بل يمنحهم فرصة أن يفهموا ويتصرفوا ويقرروا دون الحاجة إلى التخمين
فالوضوح لا يجعل كل المواقف متشابهة ولا يلغي الاختلاف لكنه يجعل التعامل معها أكثر صدقاً وعدلاً وراحة ويترك لكل طرف حقه في أن يعرف الموقف كما هو

