Site icon صحيفة صدى نيوز إس

جمعية “إخوانكم”.. نموذج في صناعة الأمان والتمكين لفاقدي الرعاية

✍️محمد فريح الحارثي 

لواء متقاعد 

بناءً على دعوة كريمة، حضرتُ مناسبة لـ جمعية إخوانكم لتمكين الأيتام، ولم يكن حضوري زيارة عابرة لتأدية واجب اجتماعي. ورغم أنها المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذه الجمعية، إلا أن مشاعري تفاعلت بشكل عميق مع ما شاهدته من أنشطة ملموسة ومنجزات حقيقية تعكس رسالتها الإنسانية والوطنية. لقد استوقفتني بشدة وعمقت إعجابي فكرة أخوة ورفقة اليتيم في الحياة مهما كان عمره، وهي الفلسفة التي استعرضها وأكد عليها رئيس مجلس إدارة الجمعية، المهندس حسين بحري، عندما أطلعنا على نماذج واقعية ومؤثرة لأيتام رافقهم كأخ حقيقي في مسيرة حياتهم. ورغم أن بعض هؤلاء الأبناء قد كبروا وتبوأوا اليوم وظائف ومناصب مرموقة، إلا أن المهندس بحري كان يشرح لنا، والنموذج ماثل أمامنا، مدى أهمية دور السند لليتيم أو لليتيمة؛ ذلك الأخ أو الصديق والصاحب الذي لا غنى عنه في مواجهة الحياة وتقلباتها مهما بلغ الإنسان من نجاح مهني.

وفي هذا السياق، لم يكن طرح المهندس حسين بحري مجرد عرض إداري للأرقام والمستهدفات، بل كان نداءً إنسانياً وروحياً عميقاً لامس وجدان الحاضرين. لقد حث الجميع على أن يكون لكل إنسان “خبيئة مع الله” يتلمس أثرها في العمل الخيري والإنساني والتطوعي، مؤكداً أن الإنسان لا ينبغي أن يبقى دون توجه خيري يبذل فيه ما استطاع؛ بماله، أو فكره، أو وقته، أو جهده، أو بكلمته ولمسته الحانية. فاليتيم في فترات حياته المختلفة، وفي مناسبات أفراحه وأحزانه ومواقفه الصعبة، يكون أحوج ما يكون إلى من يبادله المشاعر الصادقة ويتفاعل معه كفرد من أسرته، وليس كمجرد مستفيد من خدمات جمعية خيرية.

إن الغياب الأكبر في حياة اليتيم فاقد الرعاية الوالدية ليس غياب المأكل والمشرب؛ فالدولة حفظها الله والمؤسسات الخيرية وفقها الله تضمن سد هذه الاحتياجات الأساسية بكفاءة عالية. النقص الحقيقي يكمن في غياب هذا “السند العاطفي والموجه” الذي تجسده الجمعية في برنامج “التآخي”. هذا البرنامج يهدف إلى ردم الفجوة بين احتياجات اليتيم المعنوية والمجتمع عبر ربطه المباشر بقدوات وموجهين مخلصين يأخذون بيده نحو مسؤوليات الحياة بثقة وثبات، ويؤهلوه ليكون عنصراً فاعلاً في قيادة المستقبل البشري.

الاستثمار في الإنسان هو المستهدف الأسمى لرؤيتنا الوطنية، وهؤلاء الأبناء يمثلون طاقة بشرية هائلة لا يمكن تركها خارج عجلة الإنتاج والتنمية. إن التحول المستدام من الرعائية إلى التمكين هو ما يحتاجه الوطن اليوم؛ نريد جيلاً من الأيتام يساهم في بناء الاقتصاد الوطني ويتحرك بكفاءة داخل سوق العمل، وهذا لن يتحقق إلا إذا تحولت المسؤولية المجتمعية من عطاء مادي متباعد إلى مرافقة معرفية وإنسانية مستدامة تتكامل فيها الجهود المادية والروحية.

المسؤولية اليوم تقع على عاتقنا جميعاً ككفاءات وطنية، ومثقفين، وموجهين، لتكريس هذا المفهوم التنموي الحديث وتوسيع نطاقه. الدعوة مفتوحة لكل مواطن ومواطنة يملك مهارة أو تجربة ناجحة: لا تكتفِ بالدعم المادي عن بُعد. بادر بزيارة الجمعية أو التواصل معهم عن طريق منصتهم الإلكترونية، واجعل لك خبيئة صالحة تترجمها كأخ أكبر أو كصديق موجه وممكّن، وكن الشريك والصاحب الذي يصنع الفارق في حياة من ينتظر وميض اهتمام لينطلق نحو الاستقلالية، ويسهم بقوة في دفع مسيرة الاستثمار البشري لوطننا المعطاء.

 

Exit mobile version