Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حينَ يُطوِي الصَّمتُ صُحُفَ العِتاب

محمد باجعفر 

عِندما تُرفَع أقلام العِتاب فاعلَموا أنّ صُحُف

 المحبة قد جَفّت وَطُوِيَتْ

​العتابُ ليسَ خصومةً تُفتَعَل، ولا رغبةً في تسجيلِ النقاطِ أو الانتصارِ الشخصيّ، بل هو في حقيقتهِ وثيقةُ أمان، ورسالةُ حُبٍّ مُغَلّفةٌ بلهفةٍ رقيقة، تقولُ لسانُ حالِها: “أنَا أتمسّكُ بكَ، فلا تُفلتْ يدي”. حينَ يُعَاتِبُكَ مَن يُحبّك، فهو يُعطيكَ فرصةً أُخرى لترميمِ ما انكسَر، ويَفرِشُ لكَ جِسرًا للعبورِ نحو الوِصالِ من جديد؛ لأنّ البقاءَ بالنسبةِ لهُ لا يزالُ خيارًا يُستحَقُّ القتالَ لأجله.

​إلّا أنّ هذا العتابَ، على رِقّتهِ ومحبّته، يحملُ طاقةً محدودةً من الصّبر. إنه يتغذّى على الأمل، وعلى شعلةٍ تتوهّج في القلب بأنّ الطرفَ الآخرَ يُصغي ويستحقّ هذا العناء. ولكن حينَ يُقابَلُ ذلك اللومُ المتكررُ بالإهمال، أو باللامبالاة، أو بالإنكار والتجاوز، يبدأُ نبضُ الاهتمامِ بالتباطؤ، وتتحوّل محاولاتُ الإصلاح المتتالية إلى عبءٍ يثقلُ كاهلَ صاحبه، ويُشعرهُ بمرارةِ الهوان.

​وهُنا تقعُ اللحظةُ الفاصلة؛ اللحظةُ التي ترتفعُ فيها الأقلامُ وتُطوى فيها الصُّحُف. ليسَ لأنّ الغضبَ قد بلغَ أوجَه، بل لأنّ اليأسَ قد ألقى بسدوله التامة. يُصبحُ الصّمتُ هو البديلَ الوحيد، ولكنه ليسَ صمتَ الهدوء والسكينة، بل صمتُ الاستغناء، والانكفاءِ على الذات، وانحسارِ الشغف.

​إنّ أخطرَ ما قد تُواجهه في أيّ علاقةٍ إنسانيةٍ ليس هو الصُراخُ ولا العِتابُ الحادّ؛ فالصوتُ العالي واللومُ الممتلئُ بالعاطفةِ دليلٌ على وجودِ روحٍ تُصارعُ من أجل البقاءِ في مساحتك. الخطرُ الحقيقيُّ يكمنُ في ذلك الهدوءِ المفاجئ، حين يتوقفُ الشخصُ عن السُؤال، ويتقبلُ كلّ ما يحدثُ دون دفاعٍ أو توضيح، ويتركُ الأخطاءَ تُراكمُ حيطَانَها دونَ أن يُحاولَ هدمَها. هذا الصمتُ تحديدًا هو الإعلانُ غير المكتوب عن انقضاءِ الرغبة، والوصولِ إلى نقطةِ اللاعودة.

​حين تجفّ أقلامُ العتاب، لا تعودُ هناك مساحاتٌ للتفاوض، ولا شغفٌ بالعودة إلى الوراء. يرحلُ الشخصُ بقلبهِ أولاً، ويُفرغُ المَكانَ من وجودهِ العاطفيّ قبلَ أن تبتعدَ خطواتُه الجسدية، فيُغلقُ البابَ بخفةٍ ودون ضجيج، مخلّفًا وراءه صمتًا أثقلَ من كلّ الكلمات التي قيلت.

​فلْنَعِ جيدًا قيمةَ مَن يُعاتبنا ما دامَ في العتابِ بقية؛ فالعتابُ نبضٌ ينتهي حينَ ييأسُ القلب، والصمتُ الذي يخلفُ طولَ اللومِ ليسَ صُلحًا ولا استراحةَ محارب، بل هو السلامُ الأخيرُ الذي يُسبقُ الرحيل.

Exit mobile version