Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ثقافة الكرسي والوفاء الغائب.. قراءة في سيكولوجية الإدارة بعد الرحيل

بقلم الدكتور / خالد عمر محمد العمودى :جدة:-

من أصعب الاختبارات التي يواجهها الفرد في مسيرته المهنية والاجتماعية هي تلك المرحلة التي تلي ترجّله عن منصبه أو بلوغه سن التقاعد. في تلك اللحظة الفاصلة، تنكشف أمام المرء حقائق “سيكولوجية الكرسي” وتحول الولاءات، حيث تبدأ موازين التقييم لدى البعض في التغير، وتتضاعف الأحكام من المحيطين سواء من المديرين السابقين، أو الزملاء، أو المرؤوسين على حد سواء.

إن الظاهرة المقلقة التي نجدها في بعض بيئات العمل هي مسارعة البعض 

بعد مغادرة المسؤول لموقعه إلى توجيه السهام والنقد اللاذع، وأحياناً الملام والشتائم، متناسين حجم ما قدّمه من جهود، وما خاضه من تحديات، وما حاول إنجازه في حدود المتاح. ولعل المفارقة العجيبة هنا هي غياب “كلمة العدل” والانجرار وراء تقييمات تحكمها الأهواء والمصالح الشخصية؛ فإذا كان المسؤول حازماً ومطبقاً للنظام قيل عنه “ظالم”، وإذا غلّب جانب المرونة والتسامح وُصف بـ “الضعف أو السذاجة”، وإن حاول الوقوف في المنتصف اتُّهم بـ “المجاملة والمداهنة”.

هذا التناقض يضعنا أمام حقيقة إنسانية ثابتة: ( رضا الناس غاية لا تدرك) ، وأن الهوى الشخصي للمرؤوسين غالباً ما يصطدم بمسؤولية القائد.

إن الإنصاف يقتضي منا ألا ننكر الجميل، وأن ننظر إلى المحاسن والفضائل قبل رصد العيوب. ليس هناك كمال بشرى، فلكل مجتهد أخطاؤه وهفواته التي تتفاوت بحسب الظروف والقدرات، ولكن المغالاة في تتبع الزلات بعد غياب المسؤول لا تعكس وفاءً، بل تقع في دائرة الغيبة وإثقال كواهلنا بالذنوب. وإذا كان التوجيه النبوي يحثنا على ذكر محاسن موتانا، فإن من غاب عن المشهد الإداري يستحق من باب المروءة والإنصاف أن تُذكر فضائله ومحاسن عهده.

وفي المقابل، نجد دائماً أن من يستلم زمام الأمور خلفاً للمدير الراحل، سيعيش حتماً ذات التجربة، ويصطدم بالواقع المعقد وثقل المسؤولية ومحدودية الخيارات، وعندها فقط يدرك صواب القرارات التي كان يتذمر منها بالأمس؛ لأنه واجه ذات الصعوبة البالغة في إحداث التوازن بين إرضاء الأفراد وحماية المنظمة.

وهنا يتجلى العمق العظيم للمقولة الإدارية: (المساواة في الظلم عدالة). فالظلم في هذا السياق لا يعني الجور والتعسف، بل يعني “حزم النظام وصارم القوانين” التي قد يراها الفرد مجحفة بحقه أو بظروفه الخاصة، لكن عندما يُطبق هذا الحزم على الجميع دون استثناء أو محاباة، فإنه يتحول إلى أسمى درجات العدالة المؤسسية التي تحمي الكيان وتضمن استقراره.

ختاماً..

الدعوة موجهة للجميع؛ لبيئات العمل وللأفراد، بضرورة ترسيخ ثقافة الوفاء والإنصاف، وأن نزن الأمور بميزان الموضوعية والدقة دون مبالغة في الثناء أو إجحاف في النقد. فالمنصب لا يدوم لأحد، والأثر الطيب المبني على النصح وذكر المحاسن هو ما يبقى للإنسان بعد رحيله.

Exit mobile version