Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الجودة لا الكمية

بسم الله الرحمن الرحيم 

د. خلف أحمد الزهراني 

في خضم هذا العالم المتسارع الذي بات يقدّس الأرقام، ويتهافت خلف إحصائيات الكم الضخم والإنتاج المتهالك والانتشار السريع، كثيراً ما يقع الإنسان في فخ بصري ونفسي خطير؛ ألا وهو الاعتقاد بأن “الأكثر” يعادل بالضرورة “الأفضل”، وتأتي الصورة الفنية الجدارية التي بين أيدينا لتقدم معالجة بصرية رفيعة ومبتكرة تفكك هذه المغالطة، وتضع نصب أعيننا دعوة صريحة وعميقة لإعادة ترتيب أولويات الحياة والموازنة بين مظهر الأشياء وجوهرها.  

​تقوم الفكرة البصرية للعمل على تكوين مركزي تمثله أداة تقليدية بسيطة وهي “الميزان الخشبي المعلق”؛ حيث يستقر على الكفة اليمنى صخرة كبيرة وخشنة ومقسّمة إلى أجزاء مترابطة تبدو ضخمة وثقيلة للغاية لدرجة أنها أدت إلى ميلان الميزان بصورة حادة نحو الأسفل لتمثل الكثرة والضخامة الظاهرية والوفرة العديمة الإتقان، بينما ترتفع على الجانب المقابل الكفة حاملةً قطعة فنية صغيرة ومصممة بعناية فائقة تشبه “الجوهرة الماسة” ذات الأوجه الهندسية الدقيقة لتمثل الندرة والإتقان والجوهر الخالص الذي لا يُقاس بالحجم بل بالأثر.  

​إن هذه المفارقة الصارخة بين “الوزن المادي” و”القيمة المعنوية” تعكس حقيقة الحياة في شتى المجالات؛ فالأشياء الضخمة قد تفرض نفسها على السطح وتستحوذ على الانتباه المؤقت بفعل حجمها، لكن القيمة الحقيقية تظل في الجانب الآخر تتربع في العالي بفضل عمقها وفرادتها لترسل رسالة تحذيرية وتوعوية بألا ننخدع بالمظاهر البسيطة المبالغ فيها أو بالكثرة التي لا طائل من ورائها. وتحت هذا التكوين الميزاني البديع، كُتبت العبارة المفتاحية على قصاصة ورقية ممزقة بعناية توحي بالأصالة والتدوين الواقعي: “Choose quality over quantity. / 

“اختر الجودة لا الكمية” لتعزز بلغات متعددة الطابع الإنساني الشامل للرسالة، حيث يحملنا فعل الأمر “اختر” مسؤولية واعية تجعل المفاضلة قراراً استراتيجياً في إدارة الحياة بدلاً من الغرق في بحر الكميات المستهلكة.  

​وتكتمل بلاغة العمل بالاعتماد على خامات ومواد تنطق بالبساطة والدفء مثل استخدام الخشب الطبيعي والأسلوب اليدوي (Handmade) في بناء الميزان والرف والقطع الفنية، مما يرسخ فكرة أن الجودة الحقيقية تحتاج دائماً إلى لمسة وعناية ووقت، في حين أن الكميات المفرطة غالباً ما تُنتج بآلية مجرّدة من الروح.

وإن هذه الدلالة العميقة تنسحب على تفاصيل حياتنا اليومية بشتى أبعادها؛ سواء في العمل والإنجاز الذي يقاس بالأثر العميق لا بكثرة المهام، أو في العلاقات الإنسانية التي تفضل صداقة حقيقية نادرة على كثرة المعارف السطحية، أو في المعرفة والفكر بالتعمق في استيعاب المراجع الرصينة بدل استهلاك الصفحات الكثيرة بلا طائل، لتصبح هذه اللوحة مرآة نقدية واعية لثقافة الاستهلاك والتعجل، وتذكيراً دائماً بأن قيمة الإنسان وأعماله تقاس بوزنها النوعي ومعناها الحقيقي لا بأعدادها وأحجامها الظاهرية.

Exit mobile version