Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين حلمٍ كان قريبًا… وأمنيةٍ طال انتظارها

 

مقال وخاطرة | الإعلامي/ خضران الزهراني، عاشق القلم 🖊

هناك أحلامٌ لا تؤلمنا لأنها لم تتحقق فحسب، بل لأنها كانت يومًا قريبةً من القلب إلى الحد الذي جعلنا نمدّ إليها أيدينا، ونبني حولها كثيرًا من الأمل، ثم تمضي الأيام فتبتعد، حتى يصبح التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزءٍ من ذواتنا.

وبين حلمٍ كان يبدو ممكنًا، وأمنيةٍ طال انتظارها، يقف الإنسان أحيانًا في منطقةٍ لا يعرف فيها: هل يتمسّك بما بقي من الأمل، أم يتعلّم كيف يترك ما أحبّه للقدر؟

يمضي الوقت، وتتبدّل الظروف، وتتغيّر تفاصيل كثيرة، لكن بعض الأمنيات تبقى في مكانها داخل القلب؛ لا تتحقق، ولا ترحل تمامًا.

وهنا يبدأ السؤال الأصعب:

هل كنت أعيش حقيقةً… أم كنت أعيش خيالًا جميلًا صنعه الشوق، ثم صدّقه القلب حتى أصبح بالنسبة إليه واقعًا؟

لا أدري.

لكنني أدركت مع مرور الأيام أن الإنسان لا يشتاق دائمًا إلى الأشخاص أو الأماكن أو التفاصيل ذاتها؛ أحيانًا يكون الحنين إلى إحساسٍ قديم عاشه الإنسان ذات يوم.

إلى طمأنينةٍ كانت تملأ روحه، وإلى فرحةٍ صغيرة كان ينتظر اكتمالها، وإلى أيامٍ كان يظن أن القادم فيها يحمل شيئًا يشبه أمنيته.

وهذا ربما هو أعمق أنواع الحنين:

أن تشتاق إلى زمنٍ لم يعد موجودًا، وإلى شعورٍ لا تعرف هل تستطيع الحياة أن تعيده إليك، أم أن أجمل ما فيه أنه أصبح ذكرى.

كم مرة قلت لنفسي:

ربما غدًا…

ثم جاء الغد، ولم يحدث شيء.

وكم مرة أقنعت قلبي بأن الصبر سيقودني إلى ما أريد، وأن الانتظار مهما طال، لا بد أن ينتهي بلحظةٍ تبرر كل هذا الصبر

لكن الانتظار الطويل لا يعلّمنا الصبر وحده؛ بل يكشف لنا أنفسنا.

يعلّمنا أن ليس كل ما نريده كُتب لنا، وأن بعض الأبواب تُفتح لنعرف ما وراءها، ثم تُغلق لنعرف أن طريقنا لم يكن هناك.

ويعلّمنا أن بعض التأخير ليس حرمانًا، وأن بعض ما نظنه خسارة قد يكون في حقيقته حماية، وأن الإنسان قد يتشبث بأمنيةٍ ظنًا منه أنها مصدر سعادته، بينما تكون سعادته الحقيقية في مكانٍ آخر لم يلتفت إليه بعد.

ومع ذلك، لا أستطيع أن ألوم قلبي.

فالقلب لا يعرف لغة الحسابات.

حين يتعلق بشيء، لا يسأل دائمًا: هل سيحدث؟

بل يكتفي بأن يقول:

لعلّه يحدث.

وهذه الـ«لعلّ» قادرة على إبقاء الإنسان سنواتٍ كاملة في محطة الانتظار.

تجعله يرى في كل صدفةٍ إشارة، وفي كل موقفٍ احتمالًا، وفي كل يومٍ جديد نافذةً صغيرة قد يأتي منها الخبر الذي طال انتظاره.

ثم ينتهي اليوم…

ويعود الإنسان إلى نفسه، ليكتشف أنه ما زال في المكان ذاته.

ينتظر.

ولعل أقسى ما في الانتظار ليس غياب الأمنية، وإنما ذلك السؤال الذي يظل معلقًا في أعماق الروح:

ماذا لو كانتستتحقق لو صبرت أكثر؟

سؤالٌ واحد قد يمنع الإنسان من الرحيل.

فكيف يغادر حلمًا لا يعرف هل انتهى فعلًا، أم أنه تأخر؟

وكيف يغلق بابًا لا يعرف ما إذا كان خلفه الشيء الذي انتظره طويلًا؟

وكيف يقنع قلبه بالنسيان، بينما لا تزال بعض الذكريات تمنحه إحساسًا بأن العودة ربما تكون ممكنة؟

لهذا بقيت طويلًا بين صوتين:

صوت العقل يقول:

كفى انتظارًا… لقد طال الطريق.

وصوت القلب يهمس:

ربما لم يحن الوقت بعد.

وبينهما أقف أنا…

لا أملك إجابةً قاطعة.

أمضي أم أبقى؟

أنسى أم أنتظر؟

أغلق صفحة الماضي، أم أترك فيها سطرًا أخيرًا، لعل الأيام تكتب فوقه صلًا جديدًا لم أكن أتوقعه؟

وربما كانت تلك الأيام بالفعل مجرد خيالاتٍ جميلة مرّت بي، وتركت أثرها ثم مضت.

وربما كان الحلم متيسرًا ذات يوم، لكن الظروف تغيّرت، فتغيّر معها الطريق.

وربما لم يكن الأمر لي أصلًا، وإنما كان درسًا جاء في صورة أمنية.

وربما…

وربما…

وهكذا يبقى الإنسان عاجزًا أمام كلمةٍ واحدة:

القدر.

فنحن لا نملك أن نرى الغيب، ولا نعرف لماذا تأخر شيء، ولماذا تعسر شيء، ولماذا فُتح بابٌ ثم أُغلق.

لكننا نملك أن نثق بالله.

وهنا يصبح الدعاء أصدق من كل الأسئلة:

يا رب، إن كان هذا الأمر خيرًا لي، فقرّبه مني ويسّره لي، وإن لم يكن خيرًا لي، فاصرف قلبي عنه، وارزقني بدلًا منه ما هو أجمل وأطيب.

فالله وحده يعلم ما تخفيه الأيام.

قد نبكي على أمرٍ لم يحدث، ثم نحمد الله بعد سنوات لأنه لم يحدث.

وقد نحزن على بابٍ أُغلق، ثم نكتشف أن خلفه طريقًا لم يكن مناسبًا لنا.

وقد نظن أن التأخير عقوبة، ثم نكتشف أنه كان ترتيبًا إلهيًا لوقتٍ أفضل.

لذلك، لم أعد أريد أن أكره الأيام الماضية.

ولن أندم على حلمٍ جعلني أبتسم.

ولن ألوم قلبي لأنه صدّق أمنيةً أحبها.

فالإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها؛ أحيانًا تمنحه الأحلام القدرة على الاستمرار، وتمنحه الخيالات الجميلة مساحةً يلتقط فيها أنفاسه وسط صخب الحياة.

لكنني في الوقت ذاته لا أريد أن يتحول الانتظار إلى عمرٍ كامل.

سأترك للأيام مساحتها، وللقدر حكمته، ولله الأمر كله.

إن عادت الأيام الجميلة، فسأستقبلها بقلبٍ أكثر نضجًا، لا بقلبٍ أنهكه الانتظار.

وإن لم تعد، فسأحمل ذكراها بامتنان، دون أن أسمح لها بأن تجعلني أسيرًا للماضي.

وإن تحققت الأمنية بعد كل هذا العناء، فسأقول:

الحمد لله أنني لم أفقد الأمل.

وإن لم تتحقق، فسأقول أيضًا:

الحمد لله… لعل الله كان يكتب لي شيئًا أجمل مما تمنيت.

فالإيمان الحقيقي ليس أن نحصل دائمًا على ما نريد، وإنما أن نثق بأن اختيار الله لنا خيرٌ من اختيارنا لأنفسنا.

ويبقى هناك سؤالٌ صغير، يسكن في زاويةٍ هادئة من القلب:

ترى… هل كانت تلك الأيام حقيقةً تنتظر العودة، أم أنها كانت مجرد خيالاتٍ جميلة مرّت بنا، ثم تركت في أرواحنا حنينًا لا يهدأ؟

لا أدري…

وربما لا أريد أن أعرف.

فبعض الأسئلة أجمل حين تبقى معلّقة، وبعض الذكريات أجمل حين لا نحاول إعادة تفاصيلها، وبعض الأحلام تظل جميلة حتى وإن لم تتحول إلى واقع.

ليس لأنها تحققت…ط

بل لأنها، ذات يوم، جعلتنا نؤمن بأن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا

وفي نهاية هذا الانتظار كله، لم يبقَ لي إلا أن أرفع قلبي إلى الله، وأقول:

يا رب… لقد طال الانتظار، وأنت أعلم بما في القلب، وأعلم بالأمنية التي أخفيتها عن الناس وأظهرتها لك وحدك. فإن كانت لي، فاجعل طريقها إليّ أجمل مما تخيلت، واجعل وصولها جبرًا لكل هذا الانتظار. وإن لم تكن لي، فأرني حكمتك فيها، واصرف قلبي عنها برضا، وعوّضني عنها راحةً وفرحًا وسكينةً لا تنتهي.

فما بين حلمٍ كان يبدو قريبًا، وأمنيةٍ طال انتظارها، وذكرياتٍ لا تُنسى…

يبقى القلب معلّقًا بين الحنين والأمل.

لكن أجمل ما يمكن أن نتعلمه بعد كل هذا الانتظار:

أن نحب دون أن نتعلق،

وأن نحلم دون أن ننكسر،

وأن ننتظر دون أن نفقد أعمار،

وأن نترك للقدر مساحته، ولله حكمته.

فربما لا تعود الأيام كما كانت…

وربما يأتي ما هو أجمل منها.

وربما لا تتحقق الأمنية التي طالما تمنيناها، لكننا نصل يومًا إلى أمنيةٍ أخرى لم نكن نعرف أننا نحتاجها.

وعندها فقط، سنلتفت إلى كل ما مضى، ونبتسم، ونقول:

لم يكن الانتظار عبثًا… كان الطريق الذي قادني إلى ما كتب الله لي.

وربما يكون أجمل ما في الحكاية كلها…

أننا، رغم طول الانتظار، ورغم الأسئلة، ورغم كل ما لم يحدث…

ما زلنا نؤمن بأن القادم قد يكون أجمل. 🤍هذه النسخة جعلت الخاطرة أكثر وحدةً في الفكرة، وأقل تكرارًا، وأقوى في البناء العاطفي، مع نهاية أكثر نضجًا وهدوءًا.

Exit mobile version