Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين وهم التوقعات وقسوة الواقع 

 

ا/محمد باجعفر

عندما يتكلم القلب

​أحيانًا… لا يكسرنا الواقع بكل قسوته وتحدياته، بل تكسرنا تلك التوقعات الباذخة التي بنيناها بماء الذهب في أعماق قلوبنا. نؤمن بالبشر إلى حد التسليم، ونظن أن بعض الوجوه لا تتبدل ملامحها مع تغير الفصول، وأن بعض القلوب حصينة ضد العبث والنسيان، وأن الود إذا سكن الروح يستوطنها إلى الأبد. لكن، بين آمالنا العريضة وصدمات الأيام، تقع الحكاية الإنسانية الكبرى: رحلة التعلم القاسية التي تعيد ترتيب الأوراق في دفاتر العمر.

​سطوة الظن الجميل وخيبة الأمل

​إن أعظم ما يرهق النفس هو “حسن الظن” المفرط حين يصطدم بواقع مغاير. نظن أن من أظهر لنا الود لن يخذلنا يومًا، وأن الوعي الإنساني يرتفع دائمًا فوق الصغائر والمصالح. غير أن الحياة مدرسة كبرى، مناهجها لا تُقرأ في الكتب، بل تُختبر في مطبات المواقف وساعات الضيق، وحين تسقط القناع تلو الأقنعة.

​في هذه الرحلة، نكتشف تباعًا حقائق لم تكن في الحسبان:

​ليس كل من اقترب منا كان يشاركنا نبل الغاية أو صدق الطريق.

​ليست كل ابتسامة تلتقي بها تعبر عن طهارة نوايا صاحبها.

​ليس كل وعد يُقطع على ذمة الحب يُحفظ حين تعصف الرياح.

​درس التجربة.. كيف ننضج بأوجاعنا؟

​حين تتكسر التوقعات، تتكسر معها أوهام كثيرة، وهذا الانكسار -على ألمه البالغ- هو بداية النضج الحقيقي للإنسان. فالإنسان لا يتعلم اتزان الخطوات إلا بعد أن يخوض مسارات وعرة، ولا يعرف قيمة الصدق والثبات إلا بعد أن يذوق مرارة الخذلان.

​إن الوجوه الحقيقية للناس لا تظهر في مواسم الرخاء حيث يكثر المنافقون والمجاملون، بل تظهر جليّةً في مواسم العصف، حيث تتساقط الأوراق المزيفة ولا يبقى إلا الجذع الثابت. هنا يتعلم الإنسان كيف يحب بحكمة، وكيف يقدم الود لمن يستحقه دون إفراط يورث الندم، ودون جفاء يقتل الإنسانية في داخله.

​شرفة اليقين: الله يرى ويجبر

​ومع كل خذلان بشري، يبقى في زوايا الروح نافذة نور لا تموت، وشرفة يطل منها اليقين المطلق بأن الله يرى.

​حين تنكسر الخواطر، وتتزاحم الأسئلة الصامتة في الصدور دون مجيب، يأتي العزاء الإلهي برداً وسلاماً. الله وحده يعلم دبيب النوايا الصادقة، ويعرف حجم الجهد الذي بذلناه لكي نحافظ على الود والصفاء بينما كان الآخرون يعبثون به. وحين تُغلق الأبواب في وجهك، وتشعرك ريح الجفاء بالبرد، يتسع باب السماء ليمنحك الدفء الذي تبحث عنه.

​فلا تحزن إن خذلك البشر، ولا تأسف على قطرة ودٍ منحتها لمن لم يقدر قيمتها. فالله لا يخذل من أحسن الظن به، والعوض الآتي من عنده يغسل أثقال الماضي، ويجبر كسر الروح ليترك فيها طمأنينة لا تعادلها كنوز الأرض. عش بقلب نقي، ولكن بوعي بصير، واعلم دائمًا أن ما عند الله خير وأبقى.

Exit mobile version