Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين صرامة النصوص ومرارة الواقع “معضلة الموظف في مواجهة المنشأة”

 

بقلم الدكتور/

خالد عمر محمد العمودى :جدة:-

تسعى التشريعات واللوائح العمالية في مختلف الأنظمة إلى رسم إطار عادل يضمن تنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والموظفين، محددة الحقوق والواجبات بدقة تجعلها ظاهرة للعيان ومسطورة في صفحات الأدبيات واللوائح التنفيذية. غير أن الواقع العملي الذي يعيشه قطاع واسع من العاملين بمختلف مستوياتهم ومراتبهم الكفاءاتية يكشف عن فجوة عميقة بين النص المقر والتطبيق المعاش. تكمن المعضلة الأساسية في عدم قدرة الموظف -وهو على رأس عمله- على مطالبة جهة عمله بحقوقه المشروعة، نظرا لعدم التكافؤ الحاد في ميزان القوى وتعاظم المتاعب التي تحيط ببيئة العمل فور البدء بأول خطوة للمطالبة.

إن الشروع في مطالبة نظامية أو حتى ودية أثناء سريان العقد غالبا ما يفجر أمام العامل عاصفة من الضغوطات والمواجهات المباشرة والغير مباشرة. تقع هذه المعاناة بشكل أشد قسوة على الموظفين الذين يفتقرون للوساطات أو ما يعرف بالمحسوبيات التي قد توفر نوعا من الحماية الاجتماعية أو الإدارية. في ظل هذا المشهد، يجد العامل نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الصمت والتغاضي عن الحقوق لسد رمق العيش والحفاظ على الاستقرار الوظيفي، أو خوض معركة نظامية معلنة تنتهي به متضررا في مسيرته المهنية، سواء عبر الفصل المقنع أو النقل التعسفي إلى أفرع ومواقع نائية تحيل حياته إلى مشقة دائمة.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن الالتجاء إلى المسارات القانونية والمحامين لا يشكل دائما طوق نجاة ناجحا؛ إذ تعتري بعض العقود وبنود الأنظمة ثغرات تستغلها المنشآت لصالحها. ومن أبرز مثال على ذلك البنود النظامية التي تتيح إنهاء العقود لقاء تعويضات مالية مقدورة للمؤسسة، كالمادة 77 في بعض الأنظمة العمالية، حيث تصبح كلفة الاستغناء عن الموظف الذي يطالب بحقه أقل بكثير من كلفة الإبقاء عليه. تحول هذا البند وغيره من الثغرات في نظر الكثيرين إلى أداة بيد جهات العمل لتصفية المواقف وإبعاد الكفاءات المطالبة بالعدالة الوظيفية.

ولمعالجة هذا الواقع المرير والحد من تأثيره السلبي على بيئة العمل وإنتاجية الأفراد، يستلزم الأمر التفكير في حلول جذرية ومواكبة تضمن إنفاذ الأنظمة دون إلحاق الضرر بالعاملين:

تطوير آليات التظلم السري والمستقل:

إيجاد منصات حكومية إلكترونية تتيح للعامل تقديم البلاغات والمطالبات الحيوية دون الكشف عن هويته خلال فترة العمل، بحيث تقوم الجهات الرقابية بالتفتيش والتدقيق الدوري الشامل على المنشأة دون تعريض الموظف لمواجهة مباشرة.

تحديث اللوائح وإغلاق الثغرات النظامية:

مراجعة البنود التشريعية التي تستغل للضغط على العمالة، وتعديل الماديات المتعلقة بالتعويض عن الفصل ليكون رادعا ومكلفا للشركة إذا ثبت أن إنهاء الخدمة جاء كإجراء انتقامي بسبب مطالبة بالحقوق.

تفعيل الحماية القانونية من الإجراءات الانتقامية:

إرساء قواعد تنظيمية تجرم النقل التعسفي أو تخفيض التقييمات الوظيفية إذا جاءت تالية لتظلم أو مطالبة رسمية، وفرض عقوبات صارمة على المنشآت التي تثبت ممارستها لأساليب التطفيش.

إلزامية العقد الإلكتروني الموحد والموثق:

التوسع في إدراج كافة المزايا والبدلات والمهام الوظيفية ضمن عقود موثقة إلكترونيا ومربوطة بالجهات الحكومية مباشرة، مما يقلل الحاجة للمطالبات الفردية الشفهية أو التأويلات العرفية داخل المنشأة.

الوعي والتوثيق المكتبي للموظف: تعزيز ثقافة التوثيق المنتظم لكافة المراسلات والإجراءات الإدارية والتكليفات من جانب العامل، مع تجنب التصادم الفردي غير المستند إلى حجج كتابية قاطعة، والاستعانة بالجمعيات المهنية أو هيئات الرعاية العمالية إن وجدت.

إن إصلاح هذا الجانب لا يمثل حماية للعامل فحسب، بل هو ضمانة لاستقرار القطاع الاقتصادي كاملا، إذ إن بيئة العمل التي تسودها العدالة وتكافؤ الفرص وتغيب عنها خيارات الانعزال أو القهر هي الوحيدة القادرة على جذب الكفاءات واستبقاء العقول المبدعة.

Exit mobile version