Site icon صحيفة صدى نيوز إس

جِراح

 

محمد الرياني

قبل أن أنام هناك بصيص ضوء يتسلل إلى غرفتي وسط الظلام ، كنت وحيدًا في غرفة ربع مساحتها كتب قديمة اشتريتها أيام الصبا ، كتب الخيال والمغامرات والجمال والعشق والجنون ، وعندما غادرت تلك المرحلة ضاعت تلك الكتب وسط عالم جديد من كتب الفلسفة والروايات والقصص النرجسية الحديثة .

لا أعرف كيف تسلل الضوء إلى كتاب قديم يقع في نهاية الصف تبدو عليه التجاعيد مثل تجاعيد كهل تكالبت عليه دواليب الحياة .

توقفت عند هذا الكتاب الذي فقد غلافيه وبقيت كثير من أوراقه تحمل ذكريات السنين .

فتحته صفحة صفحة بعدما اقتربت من الضوء الذي تسلل وسط الظلمة وجلست على كرسي صغير قديم من الخشب ، وعند الصفحة الستين وجدت ورقة قديمة مطوية ، لم أكمل تصفح هذا الكتاب العتيق الذي اقتربت صفحاته من تسعين صفحة ؛ ربما هي الصفحات التي لم تأكلها الأيام .

نزعت الورقة التي سلبت من قدم الكتاب لونًا مغبرًّا وفتحتها لأجد رسالة بريئة تقول: سيأتي زمان تقرأ فيه هذه الرسالة ، ربما تختلف الأقلام وتتبدل ، وقد لا تجد ورقة تكتب فيها ، أو حبرًا يشبه هذا الحبر ، أو خطًّا يشبه هذا الخط ، سيكون وجهك مجعدًا مثل تجاعيد هذه الورقة ، وقد لا أكون حاضرًا ، أو ربما انتقلتُ إلى مكان آخر ، وكل ماعليك أن تحتفظ بهذه الورقة وأن تورثها لمن هم بعدك كي يروا كيف يكون العمر إذا تقادم عهده ؟ .

طويت الورقة ووضعتها تحت رأسي لأقرأها في الصباح تحت ضوء الشمس ، وبالفعل حضر الصباح لأتأكد أنني قرأت الورقة كاملة .

قلبت الورقة لأقرأ على وجهها الآخر قصة حب رائعة لم أرها في الليل ولم تكتمل ، تنهدت كثيرًا وأنا أقرأ القصة وتأسفت أن صاحبها لم يرد أن تكتمل الحكاية ، أو أن الحب توقف في منتصف الطريق .

انتظرت إلى المساء ، عاد الضوء للتسلل من جديد ، أعدت الورقة إلى مكانها في الصفحة الستين ووضعته في الرف يحمل غباره ورائحة الماضي .

ابتعدت عن الضوء ووضعت رأسي على السرير ، ثم مددت رجلي باسترخاء وأنا أسأل نفسي : من أين جاء هذا الكتاب ؟

وهل انتهت قصة الحب بنجاح ؟

هل كاتب الخط مازال يذكر تلك الأيام ؟

وهل في السوق أقلام وأوراق تشبه تلك الأقلام والأوراق ؟

لم أعرف اسمًا للكتاب المهترئ ، غير أن العمر يشير إلى أن صفحاته ليست من صفحات هذه الأيام .

لم أذهب إلى رف آخر بحثًا عن كتاب جديد كي لا أصطدم بورقة تنكأ جراحاتي .

Exit mobile version