Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الابتلاء في موطن الاصطفاء.. حين تصبح النعمة ميدانًا للاختبار

 

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

من السنن الإلهية التي تتجلى في قصص الأنبياء والصالحين أن الابتلاء قد يقع في أعز ما يملكه الإنسان، وفي أخص ما أنعم الله به عليه؛ فقد تكون النعمة نفسها ميدانًا للاختبار، ويصبح موطن التكريم موطنًا للامتحان، لتظهر حقيقة العبودية، ويتجلى صدق الصبر والشكر والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى.

ويبرز هذا المعنى في قول الله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]، وهي آية تؤكد أن العطاء الإلهي ليس مجرد نعمة ينعم بها الإنسان، بل هو مسؤولية واختبار يكشفان موقف العبد من فضل ربه، ومدى شكره واعترافه بالنعمة.

الأنبياء عليهم السلام.. نماذج في الابتلاء والصبر

تتجلى هذه السنة الإلهية في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد ابتُلي كل واحد منهم في جانب من جوانب الفضل الذي اختصه الله به، فكانت مواقفهم دروسًا عظيمة في الصبر والثبات والتوكل.

النبي محمد ﷺ.. الابتلاء في نعمة الوح

اصطفى الله نبيه محمدًا ﷺ بالوحي والرسالة، ومع ذلك تعرض للتكذيب والاتهام من قومه، حتى قالوا كما حكى القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]. فجاء دفاع الله عنه وتثبيته بقوله سبحانه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2]. وهكذا كان الوحي، الذي هو أعظم وجوه التكريم، سببًا في مواجهة النبي ﷺ للتكذيب والأذى، ثم صار ميدانًا لظهور صدقه وثباته ونصر الله له.

إبراهيم عليه السلام.. الابتلاء في محبة الولد

اتخذ الله إبراهيم عليه السلام خليلًا، فقال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]، ثم ابتلاه في ابنه إسماعيل عليه السلام بأمر الذبح، في اختبار عظيم عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]. فلما ظهر صدق التسليم والانقياد لأمر الله، جاء الفرج والفداء، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. وفي هذه القصة درس بليغ في تقديم طاعة الله على كل محبوب، والثقة بحكمته ورحمته.

يوسف عليه السلام.. الابتلاء في نعمة الجمال

آتَى الله يوسف عليه السلام جمالًا لافتًا، فكان ذلك سببًا في تعرضه للمراودة والفتنة، ثم انتهى به الأمر إلى السجن مع تمسكه بالعفة والاستقامة. وبعد المحنة أظهر الله براءته، وأقرت امرأة العزيز بالحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 51]. وهكذا كان الابتلاء في جمال الصورة مناسبة لظهور جمال السريرة، وقوة الإيمان، والثبات أمام دواعي الفتنة.

داود عليه السلام.. الابتلاء في نعمة الحكم

آتَى الله داود عليه السلام الملك والحكمة، وامتحنه في قضية الخصمين، فقال سبحانه: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]. فلما أناب إلى الله، جاءه العفو والتكريم، قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25]. وفي ذلك تذكير بأن الولاية والحكم مسؤولية عظيمة، وأن الرجوع إلى الله والإنابة إليه من أسباب النجاة والرفعة.

سليمان عليه السلام.. الابتلاء في نعمة الملك

أكرم الله سليمان عليه السلام بملك عظيم وتسخير لم يُؤتَ مثله لأحد من بعده، فكان واعيًا بأن هذا العطاء امتحان للشكر، لا مجرد مظهر للقوة والسلطان، فقال: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. وتصف الآيات سليمان عليه السلام بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. فالنعمة الحقيقية أن يبقى القلب متعلقًا بالمنعم، وألا تشغل الدنيا صاحبها عن شكر الله وطاعته.

يعقوب عليه السلام.. الابتلاء في فراق الابن المحبوب

كان يوسف عليه السلام قرة عين أبيه يعقوب عليه السلام، ثم ابتُلي يعقوب بفراقه سنوات طويلة، واشتد عليه الحزن حتى قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]. ومع عظيم المصاب، لم ينقطع رجاؤه بالله، وظل يحسن الظن بربه حتى رد الله إليه يوسف واجتمع به، وعاد إليه بصره بإذن الله، كما قال سبحانه: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: 96]. وفي قصته درس في أن الحزن لا ينافي الصبر، وأن طول المحنة لا ينبغي أن يقطع حبل الرجاء بالله.

الصالحات.. الابتلاء في مواطن الطهر والعفة والأمومة

ولم تقتصر هذه السنة على الأنبياء، بل تجلت كذلك في قصص نساء صالحات ضربن أروع الأمثلة في الصبر والتسليم والثقة بالله.

مريم عليها السلام.. الابتلاء في الطهارة والبراءة

اصطفى الله مريم عليها السلام وطهرها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: 42]. ومع عظيم مكانتها، تعرضت لاتهام قومها حين جاءت تحمل عيسى عليه السلام، فقالوا: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]. فجعل الله آية براءتها على لسان وليدها عيسى عليه السلام، الذي قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]. وهكذا كشف الله الحقيقة، وجعل من المحنة بابًا لظهور آياته وتكريمه.

عائشة رضي الله عنها.. الابتلاء في العفة والعرض

ابتُليت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بحادثة الإفك، وهي محنة عظيمة مست شرفها وعرضها، فأنزل الله آيات تتلى إلى يوم القيامة في بيان براءتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: 11]، وقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: 26]. فكان ما أراده أهل البهتان للإساءة سببًا في نزول الوحي ببراءتها، وتخليد ذكرها الطيب في كتاب الله.

زينب بنت جحش رضي الله عنها.. الابتلاء في الامتثال لأمر الل

كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها من أمهات المؤمنين، وقد جاء زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنه في سياق تشريعي واجتماعي يبين أن ميزان التفاضل ليس النسب وحده، وأن أمر الله مقدم على الاعتبارات الاجتماعية. ثم أكرمها الله بالزواج من النبي ﷺ، فقال سبحانه: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. وتكشف قصتها عن أهمية التسليم لحكم الله، وعن أن ما قد يبدو في بدايته مشقة أو اختبارًا قد يحمل في طياته حكمة عظيمة.

أم موسى.. الابتلاء في فلذة الكبد

رزق الله أم موسى بولدها، ثم امتحنها في أشد ما يتعلق به قلب الأم، فأوحى إليها أن تلقيه في اليم عند الخوف عليه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 7]. وكان وعد الله لها بالرد والتثبيت، حتى قال سبحانه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص: 13]. وفي هذه القصة تتجلى عظمة التوكل على الله، وكيف يحفظ سبحانه عباده، ويجبر قلوبهم بعد الخوف والحزن.

الخلاصة.. النعمة مسؤولية والابتلاء باب للأجر

إن التأمل في هذه القصص القرآنية يكشف عن معنى عميق، وهو أن الابتلاء لا يعني بالضرورة الحرمان أو الهوان، كما أن النعمة لا تعني غياب الاختبار؛ فقد يُبتلى الإنسان في ماله أو ولده أو مكانته أو علمه أو صحته أو ما يحبه ويعتز به.

والمؤمن أمام النعمة مطالب بالشكر، وأمام المحنة مطالب بالصبر، وفي الحالين يحتاج إلى صدق التوكل على الله، وحسن الظن به، والرضا بحكمته، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.

وقد يكون في بعض المحن ما لا تظهر حكمته للإنسان في حينها، لكن قصص الأنبياء والصالحين تعلمنا ألا نستعجل الحكم على الأقدار، وألا نفقد الرجاء عند اشتداد البلاء؛ فالله سبحانه أرحم بعباده، وأعلم بما يصلحهم، وهو القائل: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].

وهكذا تظل الرسالة الجامعة لهذا الموضوع أن العبد قد يُمتحن في موطن فضله، ليظهر صدق عبوديته، ويكون الصبر والشكر والتسليم من أعظم أبواب الأجر، وأن وراء ما يقدره الله من حكم وألطاف ما قد لا يدرك الإنسان أبعاده إلا بعد حين.

هذا المقال من مادة علمية: للأستاذ الدكتور محمد بن عبدالله الربيعة.

Exit mobile version