في الشرق الأوسط، تقدم اتفاقيات أبراهام التي أُعلنت عام 2020 مثالًا على تداخل الحسابات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية في مسارات التطبيع. فقد أقامت الإمارات والبحرين علاقات رسمية مع إسرائيل، ثم اتجه المغرب إلى تطبيع العلاقات معها، بينما ارتبط المسار السوداني بظروف سياسية مختلفة. وتناولت دراسات تحليلية هذه الاتفاقيات من زاوية المصالح التجارية والتعاون الأمني وتصورات التهديدات الإقليمية.
وتكشف هذه التجارب أن السياسة الخارجية لا تتحرك بدافع واحد. فقد تبحث دولة عن التكنولوجيا والاستثمار، وتسعى أخرى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بينما ترى دولة ثالثة في التقارب الدبلوماسي وسيلة لتحسين موقعها التفاوضي لدى القوى الدولية.
لكن تعدد المصالح لا يلغي ضرورة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذه العلاقات وحدودها. فهل تظل الشراكة محصورة في المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، أم تتوسع لتشمل ترتيبات أمنية تؤثر في موازين القوى الإقليمية؟ وهل تمنح الدولة هامشًا أوسع للحركة، أم تجعل بعض خياراتها مرتبطة بحسابات الشريك الجديد؟
إن الإجابة لا تُستخلص من التصريحات الرسمية وحدها، بل من طبيعة الاتفاقيات، ومسار تنفيذها، والنتائج التي تترتب عليها.
قد يمنح التقارب مع قوة خارجية شعورًا مؤقتًا بالقدرة على مواجهة التهديدات، لكنه لا يضمن بالضرورة إزالة أسباب التوتر. فالتحالفات التي تتشكل في بيئة يسودها انعدام الثقة قد تدفع أطرافًا أخرى إلى إعادة حساباتها، والبحث عن شراكات مضادة، أو تعزيز قدراتها العسكرية تحسبًا لتغير موازين القوى.
وهنا تظهر المفارقة. فالدولة التي تبحث عن مزيد من الأمن قد تجد نفسها داخل شبكة من الالتزامات المتبادلة، تجعل قراراتها أكثر ارتباطًا بتوازنات لا تتحكم فيها بالكامل. وقد يتحول الشريك الذي يوفر لها بعض عناصر القوة إلى طرف يمتلك بدوره مصالح وأولويات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها.
ولا يعني ذلك أن كل تحالف خارجي يؤدي إلى التصعيد، أو أن تنويع الشراكات خطأ في حد ذاته. فالعلاقات الدولية تقوم على تبادل المصالح، وقد تسهم الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني في خفض التوتر عندما تُدار ضمن قواعد واضحة وتحترم سيادة الدول.
غير أن الفارق يبقى كبيرًا بين شراكة تعزز استقلال القرار الوطني، وأخرى تجعل الأمن رهينًا بمظلة خارجية، وبين تعاون يفتح أبواب الحوار، وتقارب يُستخدم في سياق المنافسة على النفوذ.
لا يمكن تناول التطبيع في المنطقة العربية بمعزل عن القضية الفلسطينية، لما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية وإنسانية. فالعلاقات الدبلوماسية قد تفتح قنوات للتواصل وتتيح فرصًا للتأثير، لكنها لا تعني تلقائيًا تحقيق السلام، ولا تنهي بمفردها قضايا الاحتلال والحقوق الوطنية الفلسطينية.
وقد أظهرت التطورات الإقليمية أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يظل عاملًا مؤثرًا في مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية. كما أن توسيع التعاون الاقتصادي والأمني لا يعفي الأطراف المعنية من مسؤولية العمل من أجل تسوية عادلة ومستدامة تستند إلى القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة للتطبيع تحتاج إلى تقييم يتجاوز المكاسب الثنائية المباشرة. فالمعيار لا يقتصر على حجم الاستثمارات أو فرص التعاون أو التفاهمات الأمنية، بل يشمل أيضًا أثر هذه العلاقات على فرص السلام، وحقوق الشعب الفلسطيني، واستقرار المنطقة.
إن البحث عن الأمن حق مشروع، كما أن تنويع العلاقات الدولية خيار متاح للدول وفق مصالحها الوطنية. لكن نجاح أي سياسة خارجية يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات السيادة، وبين المصالح الآنية والعواقب بعيدة المدى.
فالدول القوية لا تحتاج إلى تحويل كل خلاف مع جارها إلى مبرر للبحث عن حليف بعيد، كما لا تحتاج إلى إغلاق أبواب التعاون مع الخارج. إنها تحتاج إلى دبلوماسية قادرة على إدارة الخلافات، ومؤسسات تحمي القرار الوطني من الارتجال، وشراكات تقوم على المصالح المتبادلة بدل الارتهان لحسابات الآخرين.
والأهم أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة إذا ظل قائمًا على الخوف المتبادل، أو على بناء محاور تتعامل مع كل طرف آخر بوصفه تهديدًا محتملًا. فالتوازن الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك حليف أقوى، بل بوجود قواعد واضحة تمنع الاعتداء، وتحمي السيادة، وتتيح تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
في نهاية المطاف، لا تكمن الإشكالية في أن تبحث دولة عن شريك جديد، بل في طبيعة الدافع الذي يقودها إلى ذلك، والحدود التي ترسمها لعلاقتها به، والثمن الذي قد تدفعه مقابل ما تتوقع الحصول عليه من ضمانات.
فحين يصبح القلق من الجوار محركًا أساسيًا لإعادة ترتيب العلاقات، يصبح من الضروري التمييز بين سياسة تستثمر في الاستقرار، وأخرى تكتفي بتغيير مواقع الأطراف داخل معادلة الصراع.
إن الطمأنينة التي تستند إلى قوة المؤسسات، وتماسك الجبهة الداخلية، واستقلال القرار، وعلاقات متوازنة مع المحيط، تظل أكثر قابلية للاستمرار من طمأنينة ترتبط بتقلب المصالح الخارجية.
فهل تبحث بعض الدول عن أبواب بعيدة لأنها وجدت فيها فرصًا جديدة، أم لأنها لم تعد تشعر بالأمان خلف أبواب الجوار؟
سؤال لا يقدم إجابة واحدة لجميع الحالات، لكنه يضع جوهر المسألة في مكانه الصحيح. فالعبرة ليست بالمسافة التي تفصل الحليف عن الدولة، بل بمدى قدرة العلاقة معه على حماية المصالح الوطنية دون تعميق المخاوف، أو توسيع دوائر الصراع، أو التضحية باستقلال القرار.
وهكذا، قد تبدو الطمأنينة المستعارة حلًا سريعًا في لحظة قلق، لكن استدامة الأمن تظل رهينة القدرة على تحويل الخلافات إلى مساحات للحوار، والمصالح إلى جسور للتعاون، والجغرافيا المشتركة من مصدر للتوجس إلى فرصة للاستقرار.