[
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
فِي زَمَنِ البَثِّ المُبَاشِرِ وَانْتِقَالِ الصُّوَرِ بِلَمْحِ البَصَرِ، لَمْ تَعُدِ الحُرُوبُ مَحْصُورَةً فِي حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ بَيْنَ جَيْشَيْنِ، بَلْ تَدُورُ خَلْفَ كُلِّ صِرَاعٍ عَسْكَرِيٍّ مَعْرَكَةٌ أُخْرَى أَشَدُّ خُطُورَةً وَشَرَاسَةً تَتَمَثَّلُ فِي حَرْبِ القِيَمِ؛ فَفِي المَيْدَانِ العَسْكَرِيِّ يَتَقَابَلُ الجُنُودُ بِالسِّلَاحِ وَتُحْسَمُ المَعَارِكُ بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى الأَرْضِ، بَيْنَمَا فِي مَيْدَانِ القِيَمِ يَتَجَاوَزُ المَشْهَدُ حُدُودَ الجَبَهَاتِ لِيَصِلَ إِلَى كُلِّ مَنْ يَرَى وَيَسْمَعُ وَيُشَاهِدُ، إِذْ إِنَّ السُّقُوطَ فِي الحَرْبِ لَا يَعْنِي دَائِمًا المَوْتَ أَوِ الهَزِيمَةَ العَسْكَرِيَّةَ، بَلْ هُنَاكَ سُقُوطٌ آخَرُ أَصْعَبُ وَأَشَدُّ إِيلَامًا وَهُوَ السُّقُوطُ الأَخْلَاقِيُّ لِمَنْ يُشَاهِدُ المَيْدَانَ، وَحِينَ تَلْتَقِطُ الشَّاشَاتُ صُوَرَ الحَرْبِ يُوضَعُ المُتَابِعُونَ فِي اخْتِبَارٍ أَخْلَاقِيٍّ خَاطِفٍ يَظْهَرُ فِيهِ الفَرْقُ الجَلِيُّ بَيْنَ نُفُوسٍ تَحْمِلُ قِيَمَ الحَقِّ وَالعَدْلِ ، وَنُفُوسٍ تَجْرُفُهَا الأَهْوَاءُ نَحْوَ السُّقُوطِ القِيَمِيِّ، فَنَرَى مَنْ يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ أَوْ يَتَّخِذُ مَوْقِفًا يُعَرِّي انْحِدَارَهُ الأَخْلَاقِيَّ عَبْرَ تَبْرِيرِ الظُّلْمِ أَوْ التَّشَفِّي فِي آلَامِ الضُّعَفَاءِ أَوْ الكَيْلِ بِمِكْيَالَيْنِ لِمُجَرَّدِ المَصْلَحَةِ أَوْ الانْحِيَازِ الأَعْمَى، وَهُوَ شَخْصٌ لَمْ يَدْخُلْ مَيْدَانَ قِتَالٍ وَلَمْ يَحْمِلْ سِلَاحًا لَكِنَّهُ بِمَوْقِفِهِ وَكَلِمَتِهِ سَقَطَ سُقُوطًا مُدَوِّيًا فِي اخْتِبَارِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَفِي المَقَابِلِ يَقِفُ الثَّابِتُونَ بِكَلِمَاتِهِمْ شُهَدَاءَ لِلْحَقِّ لِيَنْصُرُوا المَظْلُومَ وَيُعْلُوا مِنْ شَأْنِ الأَخْلَاقِ وَالكَرَامَةِ وَالرَّحْمَةِ حَتَّى وَإِنْ كَانَ المَشْهَدُ قَاسِيًا وَالضُّغُوطُ عَارِمَةً لِتُؤَكِّدَ كَلِمَاتُهُمْ أَنَّ القِيَمَ مَعَادِنُ تَبْرُقُ فِي أَحْلَكِ أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ، فَتُصْبِحُ الكَلِمَةُ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ تَوْقِيعًا عَلَنِيًّا عَلَى الهَوِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ لِصَاحِبِهَا، فَإِمَّا كَلِمَةُ حَقٍّ تَوَازِنُ ثِقْلَ الجِبَالِ وَتُعْلِنُ الانْحِيَازَ لِلْعَدْلِ، وَإِمَّا كَلِمَةُ تَبْرِيرٍ لِلْبَاطِلِ تَهْوِي بِصَاحِبِهَا وَتَجْعَلُهُ يَخْسَرُ إِنْسَانِيَّتَهُ مُقَابِلَ نَصْرٍ زَائِفٍ، وَسَتَنْتَهِي الحُرُوبُ العَسْكَرِيَّةُ يَوْمًا لِتَصْمُتَ المَدَافِعُ وَتُطْوَى صَفَحَاتُ المَعَارِكِ، بَيْنَمَا تَبْقَى الأَقْوَالُ وَالمَوَاقِفُ مَحْفُوظَةً فِي ذَاكِرَةِ التَّارِيخِ لِتُؤَكِّدَ دَائِمًا أَنَّ المَعْرَكَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فَقَطْ بَيْنَ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ، بَلْ فِي قَلْبِ كُلِّ مَنْ يُتَابِعُ وَيَشْهَدُ لِيَرَى هَلْ يَثْبُتُ عَلَى قِيَمِهِ وَيَسْنُدُ الحَقَّ أَمْ يَسْقُطُ فِي المَيْدَانِ الأَخْلَاقِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَانِهِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.
____________________
د. خَلَف بن أَحْمَد الزَّهْرَانِي
كاتب وعضو جمعية المنتجين والموزعين السعوديين التابعة لوزارة الإعلام

