جازان – حمد دقدقي
في عالمٍ تتسارع فيه الحياة، وتتزاحم فيه المسؤوليات، وتثقل فيه النفوس بما لا تقوله الألسن، تظل الصحة النفسية نافذة الإنسان إلى الطمأنينة، وجسرًا يعبر به من ضجيج القلق إلى رحابة الأمل. فليس كل ألمٍ تراه العيون، ولا كل جرحٍ تداويه الأدوية؛ إذ تحمل بعض القلوب حكاياتٍ صامتة تحتاج إلى من يُحسن الإصغاء، ويمدّ إليها يد الفهم والرحمة.
وفي هذا السياق الإنساني، تُقام في مدينة جازان، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، أمسية توعوية بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، ينظمها المركز التخصصي للطب النفسي، بمشاركة نخبة من المختصين، وذلك في مقر الغرفة التجارية بجازان، بعد صلاة المغرب، عند الساعة السادسة مساءً، في لقاء يجمع المعرفة الطبية بالوعي المجتمعي، ويؤكد أهمية بناء بيئة أكثر تفهمًا واحتواءً للاحتياجات النفسية.
وتشهد الأمسية مشاركة الدكتور رشاد السنوسي، استشاري الطب النفسي، والدكتور عبدالوهّاب إسماعيل، الحاصل على الدكتوراه في علم نفس الأطفال، والدكتور إبراهيم الطوهري، أخصائي أول الخدمة الاجتماعية والمستشار الأسري؛ بما يثري الحوار من زوايا نفسية واجتماعية وأسرية متكاملة.
وتكتسب هذه الأمسية أهمية خاصة في تناول قضايا الصحة النفسية المرتبطة بالأسرة والطفولة، حيث يحتاج الوالدان إلى الوعي بأساليب التعامل مع الأبناء، وفهم احتياجاتهم النفسية والسلوكية، وإدراك أن الاحتواء والحوار الهادئ والإنصات الصادق ليست تفاصيل عابرة في التربية، بل ركائز أساسية لبناء شخصية متوازنة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة.
إن الطفل لا يحتاج إلى الطعام والملبس والتعليم وحدها، بل يحتاج كذلك إلى قلبٍ يسمعه، ويدٍ تطمئنه، وبيتٍ يشعر فيه بالأمان. وقد تكون كلمة حانية في لحظة اضطراب أبلغ أثرًا من موعظة طويلة، وقد يصنع الإصغاء الواعي فارقًا كبيرًا في حياة طفلٍ يعجز عن التعبير عما يختلج في داخله.
ومن هنا، تأتي مثل هذه المبادرات لتؤكد أن الصحة النفسية مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتتسع لتشمل المدرسة والمجتمع والمؤسسات المتخصصة، وأن طلب المساعدة النفسية ليس ضعفًا، بل خطوة واعية نحو التعافي والتوازن وجودة الحياة.
وتفتح الأمسية نافذة للحوار وتبادل الخبرات، بما يعزز الثقافة النفسية، ويصحح المفاهيم المغلوطة، ويشجع على التعامل مع التحديات النفسية بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن الوصمة أو الأحكام المسبقة.
فالمجتمعات لا تُقاس قوتها بما تشيّده من مبانٍ، ولا بما تحققه من منجزات مادية فحسب، بل بما تمنحه للإنسان من أمان، وما تزرعه في نفوس أبنائها من ثقة وطمأنينة، وما توفره لهم من فرص للنمو النفسي والاجتماعي السليم.
إنها أمسية تذكّرنا بأن وراء كل إنسان حكاية، وأن الكلمة الطيبة قد تكون بداية شفاء، وأن الوعي حين يمتزج بالرحمة يتحول إلى رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان؛ رسالة عنوانها أن الإنسان يستحق أن يُفهم، وأن يُحتوى، وأن يجد من يأخذ بيده حين تضيق به الحياة.
فالصحة النفسية ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية، والاهتمام بها استثمار في الإنسان، وفي الأسرة، وفي مستقبل المجتمع باسره

