بقلم: صالح سعد الزهراني
حين يردد البعض عبارة: «السعودية ليست قضيتي» فإن الرد لا يحتاج إلى انفعال ولا إلى استجداء موقف فالسعودية وطن يعرف أبناؤه قيمته ويدركون مسؤوليتهم تجاهه ويعتزون بانتمائهم إليه. وأمنها واستقرارها ومستقبلها أمانة في أعناق شعبها وقيادتها لا يتوقف الوفاء بها على رضا الآخرين ولا على ما يكتبونه في لحظة خلاف.
نعم وألف نعم السعودية ليست قضية إلا لأبنائها وبناتها ولا ننتظر من أحد أن يجعلها قضيته. إنها قضيتنا نحن في أمن أهلنا ومستقبل أبنائنا وكرامة أرضنا وفي كل جهد نبذله ليبقى هذا الوطن عزيزًا، ثابتًا قادرًا على مواصلة البناء.
ولا تعني هذه الكلمات إغلاق أبواب الأخوة أو التقليل من قيمة المواقف الصادقة فالكلمة المنصفة محل تقدير والتضامن الصادق محل احترام. لكنها تؤكد أن محبة الوطن لا تُعلّق على موقف خارجي وأن مسؤولية الدفاع عنه وحفظ وحدته تبدأ من أهله من إيمانهم به ومن إدراكهم أن الوطن يستحق الوفاء في الرخاء والشدة.
وطنٌ يعرفه أهله
راجعوا التاريخ جيدًا هذه الأرض حماها الله ثم أبناؤها ووقف أهلها دونها في أشد الظروف ولم تكن يومًا بحاجة إلى تعاطف يُمنّ به عليها عند الشدائد. ومن يستحضر معنى الوطن يدرك أن قيمته تتجاوز الحدود المرسومة على الخريطة فهو بيت الإنسان وذاكرة أسرته وموضع رزقه والمكان الذي يطمئن فيه على أحبته.
ولهذا فإن السعودي حين يدافع عن وطنه يدافع عن حياة يعرف تفاصيلها: عن بيت آمن ومدرسة تستقبل أبناءه ومسجد يؤمّه مطمئنًا وطريق يسلكه إلى عمله ومستقبل يرجو أن يكون أفضل للأجيال القادمة. وهذه المعاني تجعل الانتماء مسؤولية يومية وتمنح الكلمات الوطنية صدقها حين تتحول إلى عمل وسلوك.
وفي أوقات الشدائد تظهر قيمة التماسك. فكل مواطن يؤدي واجبه بأمانة يسهم في قوة الوطن المعلم في فصله، والطبيب في عمله والجندي في موقعه والموظف في خدمته والإعلامي في تحريه للكلمة الدقيقة. إن حماية الوطن تشمل حفظ أمنه وصون وحدته واستمرار العمل فيه، ومنع الشائعات من إرباك مجتمعه.
الأخوة تُحفظ بالاحترام
من حق كل إنسان أن يهتم بقضايا بلاده وأن يضع احتياجات وطنه في مقدمة أولوياته. لكن هذا الحق لا يبرر الشماتة بغيره ولا يجعل الإساءة إلى الشعوب رأيًا يستحق الاحتفاء. فهناك فرق واضح بين أن يختار الإنسان الصمت وأن يسعى إلى جرح الآخرين في أمنهم وكرامتهم.
وحين نقول: فليحلّ كل منكم قضايا بلاده أما السعودية فكانت وستبقى قضية شعبها وقيادتها فإننا نؤكد مسؤولية أهل كل وطن عنه ونرفض تحويل العلاقات بين الشعوب إلى منافسة في التجريح أو تبادل المِنَن. فما نرجوه هو الاحترام المتبادل والكلمة التي تحفظ الود والموقف الذي تصونه الأخلاق حتى عند الاختلاف.
والاعتزاز بالسعودية لا يدعونا إلى تعميم إساءة فرد على شعب كامل ولا إلى تحميل المجتمعات مسؤولية حسابات تتعمد الاستفزاز. ففي كل بلد أصوات منصفة وأشخاص يقدّرون روابط الأخوة ويعرفون أن الخلاف لا يبيح الظلم. وهؤلاء يستحقون التقدير كما تستحق الإساءة أن تُرد بوضوح واتزان دون أن تسلبنا عدلنا أو تدفعنا إلى مجاراتها.
لا مِنّة في المواقف الصادقة
ولم نطلب من أحد دعمًا ولا فضلًا منذ البداية فالحديث هنا عن موقف يُستخدم لاحقًا وسيلة للضغط أو يتحول إلى فاتورة يراد للوطن أن يدفعها من قراره وكرامته. أما التعاون القائم على الاحترام والمصالح المشتركة فهو أمر تُبنى عليه العلاقات ويقدّره كل من يعرف قيمة الشراكة.
نحن لا نمنّ على أحد بموقف
ولا نقبل أن يمنّ علينا أحد بموقف. هذه قاعدة تحفظ كرامة الجميع فمن اختار الإنصاف فقد أدى ما تمليه عليه قناعته وأخلاقه ومن وقف مع الحق ففضيلة موقفه في صدقه وفي استمراره بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
والمواقف الإنسانية تفقد كثيرًا من معناها حين تُستدعى عند كل خلاف للتذكير بالفضل. لذلك فإن العلاقات التي نعتز بها هي التي تقوم على الثقة وتحفظ لكل طرف مكانته وتسمح بالاختلاف دون ابتزاز أو انتقاص. فكرامة الأوطان لا ينبغي أن تكون موضوعًا للمساومة.
الوفاء للوطن عملٌ مستمر
إن القول بأن السعودية قضية شعبها وقيادتها يحمل مسؤولية على كل واحد منا. فالوفاء يقتضي أن نحفظ وحدة مجتمعنا وأن نتحرى صحة ما ننشر وأن نزن كلماتنا حين تشتد المشاعر.
ولا يخدم الوطن خبر غير صحيح، مهما بدا مؤيدًا له، ولا عبارة جارحة تسيء إلى أبرياء مهما كان الغضب الذي دفع إليها.
ومن الوفاء كذلك أن نواصل أعمالنا بإتقان وأن نحافظ على الممتلكات العامة وأن نغرس في أبنائنا حب وطنهم مقرونًا بالمسؤولية. فالوطن يقوى بوعي مواطنيه وبثقتهم وبقدرتهم على التمييز بين النقد والإساءة وبين المعلومة والشائعة وبين الموقف الصادق والاستفزاز العابر.
وسيبقى الانتماء إلى السعودية عهدًا يحمله أبناؤها وبناتها يستمدون منه العزم على العمل والحرص على الأمن والإصرار على البناء. ومن أراد لها الخير وجد التقدير ومن اختار الإساءة فلن يغيّر بكلماته مكانة الوطن في قلوب أهله ولن يصرفهم عن مسؤولياتهم تجاهه.
السعودية قضيتنا نحفظها بالوعي، ونخدمها بالعمل ونعتز بها دون أن ننتظر إذنًا من أحد. لها منا المحبة والوفاء ولأمنها منا الحرص ولمستقبلها منا الجهد. نسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها وأن يديم عليها الأمن والاستقرار ويحمي جنودها، ويوفق أبناءها وبناتها لكل ما فيه خير الوطن ورفعته.

