بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه
في زمن تتسارع فيه العبارات وتتداول فيه المفاهيم دون تمحيص، تبرز أهمية ترسيخ العقيدة الصحيحة في النفوس، وتعزيز الوعي بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والمدبر، وأن ما في الكون من أسباب ونعم إنما هو من خلقه وتسخيره وتقديره. وتبقى المواقف التربوية للعلماء نماذج مضيئة في الجمع بين العلم الشرعي والتوجيه العملي.
ومن المواقف التي تُروى في هذا السياق، ما ذكرته إحدى بنات سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، عن حرص والدها على تصحيح العبارات التي قد تحمل معاني غير دقيقة في باب العقيدة.
فقد روت أنه دخل عليها ذات يوم وهي في المرحلة الثانوية، وسألها: هل لديك فائدة أو كتاب تقرئين عليَّ منه؟ وكان في يدها كتاب الفيزياء، فقرأت عليه مقدمته، التي ورد فيها، بحسب الرواية، أن الإنسان يستمد حياته من الشمس، وأنه لولا الشمس لما نبت الزرع ولا هطل المطر.
فتوقف الشيخ عند هذه العبارة، وسألها مستنكرًا: هل هذا مكتوب؟ فلما أكدت له ذلك، طلب منها إحضار ورقة، وأملاها تصحيحًا يبين أن الشمس من مخلوقات الله تعالى، وأن الله هو الذي خلقها وسخرها لعباده، وأنه لا يجوز أن تُنسب إليها أفعال الخلق والتدبير استقلالًا عن الله سبحانه وتعالى.
واستشهد في ذلك بقول الله تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 12].
وتضيف الرواية أن الشيخ وجّه عنايته إلى مراجعة المناهج الدراسية، ونبّه المسؤولين آنذاك إلى أهمية العناية بترجمة الكتب، وإخضاعها لمراجعة نخبة من العلماء؛ حتى تكون مضامينها منضبطة، ولا تتعارض عباراتها مع أصول العقيدة الإسلامية.
ويُستفاد من هذا الموقف، إن صحت تفاصيل الرواية، أن العناية بالعقيدة لا تقتصر على الكتب الشرعية، بل تمتد إلى مختلف المعارف والعلوم، مع التمييز بين الأسباب الكونية التي خلقها الله، وبين الاعتقاد بأن تلك الأسباب تملك التأثير استقلالًا عنه سبحانه.
من الشمس إلى فنجان القهوة.. تصحيح المفاهيم في حياتنا اليومية
ولا تقف دلالات هذا المعنى عند حدود المناهج الدراسية، بل تمتد إلى لغتنا اليومية والعبارات التي نرددها دون تأمل. فقد يقول أحدنا: «هذا الفنجان صنع يومي»، أو «هذه الهدية منحتني السعادة»، أو «هذه الوردة جعلت حياتي أجمل».
وهنا تبرز أهمية التفريق بين التعبير المجازي المعتاد، الذي يقصد به الإنسان وصف أثر شيء جميل في نفسه، وبين الاعتقاد بأن الأشياء تملك بذاتها قدرة مستقلة على جلب السعادة أو دفع الضرر.
فليس كل تعبير من هذا القبيل شركًا، ولا يصح إطلاق الأحكام على الناس بمجرد ألفاظ محتملة؛ إذ تُراعى دلالة الكلام ومقصود قائله وسياقه. وقد تكون القهوة أو الهدية أو الوردة سببًا من أسباب السرور التي أباحها الله للإنسان، أما خلق السعادة وتقدير أسبابها والنعم التي تحيط بنا، فكل ذلك داخل في ملك الله ومشيئته سبحانه.
ومن تمام التوحيد أن يعرف المسلم أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، وأن النعم كلها من الله تعالى، فيشكره على ما يسّر له، ويستعمل الأسباب المشروعة دون أن يتعلق قلبه بها تعلقًا ينافي كمال توكله على ربه.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
إن هذه الآية الكريمة تضع أمام المسلم قاعدة عظيمة في النظر إلى الحياة؛ فمهما تعددت الأسباب وتنوعت الوسائل، فإن المنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وهو المستحق للحمد والشكر.
العقيدة الصحيحة.. وعيٌ يوجّه الفكر والسلوك
إن من أعظم مسؤوليات الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية أن تغرس في الأجيال عقيدة صحيحة، وتربيهم على التفكير الواعي، وتعلمهم كيف يميزون بين السبب والمسبب، وبين الاستفادة من نعم الله والغفلة عن المنعم.
كما أن من واجبنا أن نعتني بألفاظنا، وأن نختار العبارات التي تعبر عن مشاعرنا دون أن تتضمن معاني فاسدة، مع تجنب التشدد في الحكم على الناس، أو حمل كلامهم على أسوأ المحامل.
لقد ترك الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، أثرًا علميًا ودعويًا وتربويًا بارزًا، ومن المعاني التي يذكرها هذا الموقف أهمية المراجعة والتدقيق، وضرورة الجمع بين المعرفة العلمية وصحة الاعتقاد، والحرص على حماية عقول الناشئة من المفاهيم غير المنضبطة.
رحم الله الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، ورزقنا وإياكم صدق التوحيد، وحسن التوكل عليه، وشكر نعمه، وحسن الأدب معه سبحانه وتعالى.
فالنعمة من الله، والسبب من خلقه، والقلب الموحّد يعرف المنعم، ويشكر فضله، ولا يغفل عن ربه في فرح أو حزن، ولا في سراء أو ضراء.

