جلد_للنفس_البشرية
بين_الجنون_والقيود
في دهاليز النفس البشرية المظلمة تنمو مشاعر وتتضخم حتى تتحول إلى كيانات مشوهة تلتهم الوعي ولعل أبرز هذه الكيانات ما يمكن تسميته بـالغيرة النرجسية إنها ليست مجرد رغبة في امتلاك ما يملكه الآخر أو شعور عابر بالقصور بل هي فلسفة عميقة من الهدم الذاتي وجلد مستمر للذات الإنسانية التي وقعت في فخ التمركز حول الأنا وتأرجحت بعنف بين جنون العظمة وقيود الواقع المرير……..
تبدأ القصة عندما يضع الإنسان نفسه في مركز الكون ليس ككائن حي يسعى للتكامل بل كجبل أشم مقدس يستحق كل الثناء وكل الامتيازات وكل الوجود……
هنا لا تعود الغيرة دافعًا للتنافس الشريف بل تتحول إلى سلاح فتاك موجه نحو الداخل أولاً ونحو الخارج ثانيا…….
عندما يرى النرجسي تميزًا في الآخر لا يرى نجاحًا بشريًا يستحق الإعجاب بل يرى تهديدًا مباشرًا لعرشه الوهمي وإهانة صارخة لذكائه ووجوده
هذا الإدراك المشوه يطلق شرارة الجلد الذاتي حيث تبدأ النفس بجلد نفسها بسياط المقارنة المريضة متسائلة في جنون كيف لغيري أن يضيء وأنا الشمس؟
هذا التساؤل ليس عابرًا إنه بداية الدخول في نوبة من الجنون الفكري………
الجنون هنا ليس فقدانًا للعقل بالمعنى الطبي بل هو انفصال كامل عن الواقع المنطقي حيث يصبح النجاح الخارجي بمثابة شتيمة شخصية……
ويتحول الوعي النرجسي إلى زنزانة انفرادية جدرانها من المرايا المشوهة التي لا تعكس إلا العيوب المتخيلة والمخاوف العميقة من الفناء والنسيان..
في هذا الطقس يمارس النرجسي أبشع أنواع الجلد لنفسه لأنه يطالبها بكمال مستحيل ويحملها وزر نقص هو في الأصل طبيعة بشرية وفطرة كونية….
لكن هذا الجنون لا يلبث أن يصطدم بالقيود…….
والقيود هنا متعددة ومكبلة أولها قيود المادة والواقع التي تثبت يومًا بعد يوم أن العالم
لا يدور في فلك فرد واحد……..
وثانيها قيود المجتمع والقوانين التي تمنع النرجسي من سحق الآخرين لإطفاء غليله…….
وثالثها وهو الأشد وطأة قيود العجز الداخلي……..
فالغيرة النرجسية تكشف للمرء عورته النفسية وتضعه وجهًا لوجه أمام حقيقته العارية إنه ليس خارقًا وليس فريدًا بمطلق الوصف بل هو كائن هش يحتاج إلى اعتراف الآخرين ليثبت وجوده……..
بين مطرقة هذا الجنون العبثي وسندان القيود الصارمة يعيش الإنسان النرجسي حالة من التمزق الوجودي…….
إنه يجلد نفسه لأنه لم يصل إلى قداسة الروح المدعاة ويجلد الآخرين لأنهم يذكرونه بآدميته الطينية………
إنها حلقة مفرغة من العذاب الفلسفي حيث تصبح الغيرة أداة تعذيب يومية لا تترك في النفس موضعا سليمًا بل تحيل السكينة الروحية إلى رماد وتجعل من الوجود الإنساني رحلة شاقة من الألم المفتعل والصراع الأزلي مع خيالات لا وجود لها إلا في عقل صاحبها……….
………………………………
وَجْهُ المَرايَا
يا أنْتِ.. وَجْهُكِ أَمْ عَنَايَا
يا أَنْتِ.. مَا اقْتَرَفَتْ يَدايَا ؟
خَاطَبْتُ بَسْمَتَكِ الحَبِيبَةَ
هَالَنِي وَجْهُ المَرايَا..
و كَتَبْتُ فَاتِنَتِي فَلَمْ أَلْمَحُ سِوَى..
شَجْنَ الزَّوَايَا
و رَسَمْتُنِي حُلماً وَ جاءَ الحُلمُ..
يَسْأَلُ عَنْ رُؤايا
وَيْحَ الحِكَايَاتِ التِي لَمْ تُغْرِ..
مَخْلُوقًا سِوايَا
وَيْحَ الحُرُوفِ..أَ لَمْ تَكُنْ مِثْلِي !
أَ تَضْحَكُ مِنْ عَمَايَا ؟
وَ العُمْرُ كَمْ سَكَبَ السّنِينَ-
-لأَرْتَوِي..فَجَنَى ظَمَايَا
و الآه..كَمْ أَنَّتْ وَ هَلْ وَجَدَتْ هُنَاكَ..
سِوَى أَسَايَا
لا أَدْرِي يا قَدَرِي أُحِبّكِ..
أَمْ يُحِبُّكِ مُنْتَهَايَا !
و عَلَى حَيَاتِيَ كَمْ بَكَيْتُ
فَخَانَنِي..دَمْعُ الزَّوايا
و تَجُودُ أَجْنِحَةُ الظَّلَامِ كأنّ فِي..
يَدِهَا المَنَايَا
أوّاهُ يَا حُلمي و قَافِيَتِي التِي
سَئِمَتْ نِدَايَا
و تَعُودُ بِي الذّكرَى إلَيْكِ فَأَيْنَ
أَمْسِيَ وَ الهَدَايا ؟
قَدَرُ السّعادَةِ أَنْ تَعِيشَ..وَ مَوْتُهَا
-ذَنْبُ الخَطَايا
يَا أَنْتِ..هَلْ لَمْ يَبْقَ لِي مِنْها سِوَى..
وَجْهُ المَرَايا؟!
يَا أَنْتِ..هَلْ لَمْ يَبْقَ لِي مِنْها سِوَى..
وَجْهُ المَرَايا .
#دكتور_حسن_الأمير

