بقلم/ الإعلامي خضران الزهراني عاشق القلم 🖊️
ليست كل الكلمات حروفًا تُقال، ولا كل العبارات أصواتًا تتردّد في المجالس؛ فهناك كلماتٌ تولد من عمق الإحساس، وتستقر في الذاكرة، وتترك في النفس أثرًا لا تمحوه الأيام. وهناك أشخاصٌ يمتلكون من جمال التعبير ما يجعل حديثهم مختلفًا، وحضورهم لافتًا، وأثرهم ممتدًا إلى ما بعد انتهاء الكلام.
«لا عطر بعد عروس، ولا كلام بعد الكلام»؛ عبارة تختصر لحظةً يبلغ فيها الجمال ذروته، ويصل فيها التعبير إلى غايته، فلا يجد المرء ما يضيفه إلا ابتسامة إعجاب، أو كلمة تقدير، أو صمتًا يليق بروعة المعنى.
قد تعجبنا كلمات امرأة؛ لما تحمله من رقةٍ وذكاء، وعذوبةٍ في التعبير، وحضورٍ يضفي على الحديث جمالًا خاصًا. وقد تأسرنا كلمات رجل؛ لما تتضمنه من حكمةٍ وثقة، وقوةٍ في المعنى، ورقيٍّ في الحوار. وفي الحالتين، يبقى جمال الكلمة شاهدًا على جمال الفكر، ودليلًا على أن الذوق الرفيع لا يحتاج إلى ضجيج كي يلفت الأنظار.
وليس الإعجاب بالكلمات ضعفًا، ولا تقدير أصحابها مجاملةً عابرة؛ بل هو اعترافٌ صريح بأن للجمال وجوهًا متعددة، وأن للكلمة الصادقة قدرةً على الوصول إلى القلوب دون استئذان. فكم من عبارةٍ قصيرة صنعت ابتسامة، وكم من ردٍّ راقٍ أنهى جدلًا، وكم من حديثٍ جميل ترك في النفوس احترامًا لا تصنعه الخطب الطويلة.
إن القوة الحقيقية ليست في أن يكون الإنسان آخر المتحدثين، بل في أن يكون صاحب الكلمة التي تبقى بعد انفضاض المجلس. والرقيّ ليس في كثرة الحديث، بل في اختيار العبارة المناسبة، وتقدير الآخرين، ومعرفة متى نتكلم، ومتى نترك للجمال مساحته.
وفي زمنٍ أصبح فيه الكلام كثيرًا، والإنصات قليلًا، تظل الكلمة الراقية عملةً نادرة، ويظل الإنسان الذي يحسن التعبير ويصون مشاعر الآخرين صاحب مكانةٍ لا تمنحها الألقاب وحدها.
ولعل أجمل ما في تبادل الكلمات أن يعجبنا التعبير دون أن نحمّله ما لا يحتمل، وأن نُقدّر الجمال دون أن نبحث خلفه عن أسرار، وأن نمنح أصحاب الحروف الجميلة حقهم من الثناء؛ فالمشاعر الإنسانية أوسع من أن تُختصر في تفسيرٍ واحد، والإعجاب قد يكون تقديرًا للفكر، أو احترامًا للذوق، أو احتفاءً بروعة الأسلوب.
الخلاصة:
لا عطر بعد عروس حين يبلغ العطر غايته، ولا كلام بعد كلام حين تكتمل الفكرة ويبلغ التعبير قمته. لكن تبقى للكلمة الجميلة حكاية، وللأسلوب الراقي مكانة، وللأثر الطيب ذاكرة لا تنطفئ.
فلنكن أصحاب كلماتٍ ترفع ولا تجرح، وتجمع ولا تفرّق، وتترك في القلوب أثرًا جميلًا؛ لأن الإنسان قد يُنسى اسمه، وقد يغيب وجهه عن الذاكرة، لكن كلمته الصادقة تظل حاضرةً كلما تذكّرها أحد.
فالكلام الجميل ينتهي نطقه، لكنه لا ينتهي أثرًا؛ وتلك هي عظمة الكلمة حين تصدر من عقلٍ راجح، وقلبٍ راقٍ، وروحٍ تعرف قيمة الإنسان.

