محمد الرياني
أوصتني جارتنا وهي في مقام الأم أن أشتري لها علبة فاصوليا من الدكان الذي يتوسط الميدان ، كنت أركض كالغزال في الحي ، وكنت الأقرب إليها فانطلقت تبعًا لإشارة يدها ، أقبلتُ وناولتني مايزيد عن القيمة وقالت إن الباقي أجرة مشوارك وهي تناديني ببراءة .
انطلقت والشمس مشرقة والجو جميل والناس في حركة دؤوبة من إشراقة يوم جديد ، دخلت الدكان وصاحبه يسترخي على سرير قديم قد وضع عليه مزقًا من كراتين المعلبات ووسادة قديمة يبدو أنه جلبها من البيت لحماية رأسه ، ناولته الفلوس وأشار إلي بأن آخذ العلبة وأنصرف .
تسلقت على درجات السلع حتى ارتقيت لأتناول علبة فاصوليا فسقط على الأرض عدد من العلب الأخرى من فاصوليا وغيرها وهو يصيح من على سريره المتهالك قائلًا : ماذا صنعت وأنا غارق في الضحك وهو يهم بالقيام لأنال عقوبة رعونتي .
خرجت من عنده مسرعًا وعلبة الفاصوليا بيدي ومعي أجرة المشوار إلى الدكان لا أريد صرفها في وقتها وأنا فرح بأن يومي بدأ بمكافأة من جارتنا .
وصلت إليها مسرعًا أحمل العلبة التي تنتظرها كي تفطر على فاصوليا خضراء ، غير أن لون وجهها تغير وهي ترى العلبة غير التي اعتادت عليها .
قالت لي ماهذه؟
قلت فاصوليا فأرادت أن ترميني بها ولكني ضحكت وقلت لها هذه فاصوليا بيضاء .
قالت هل هناك فاصوليا بيضاء ؟
أعدها لصاحب الدكان وعد إلي بأخرى خضراء فقلت لها جربي البيضاء ربما تعجبك وسأجلس لتناول وجبة الإفطار معك .
تهلل وجهها بالفرح وهي تسمع كلامي وأن أحدًا سيؤنس وحدتها هذا اليوم .
فتحت لها العلبة وأفرغت السائل المضاف في العلبة ، ثم تناولت حبتين من الطماطم وقطعتها قطعًا صغيرة وهي تنظر إلى هذا الصغير يفعل هذا الفعل .
وضعت بنفسها القدر على النار وبه الفاصوليا البيضاء بالطماطم والبهارات وجلستُ أنا في ظل البيت أنتظر حتى أستأنس بإفطار عند أمي التي لم تلدني.
استوى الطعام فقربتْه مني وهي تحكي لي بساطة الحياة ، وأن علبة فاصوليا تصنع السعادة .
ألستَ سعيدًا وأنت تتناول الإفطار ثم تتجه إلى أهلك .
ملأتُ بطني من دقيق أبيض صنعتْه بيدها وإفطار شهي ثم شربتُ الماء وأردت الانصراف فنادتني وأعطتني ريالين وأجرة أخرى وقالت لي : اشتر لي بها فاصوليا خضراء في المرة القادمة وإلا زويتُ أذنك إذا أتيتَ بغيرها .
جاء الموعد القادم فجلبتُ معي الفاصوليا الخضراء لكن جارتنا لم تجب على ندائي .
دخلت دارها فرأيتهم يجتمعون حولها فعرفت أنها لن تتناول لا بيضاء ولا خضراء بعد الآن .
رحلت جارتنا وأنا أتذكر إفطاري معها وقد تركت لي أجرة أخرى وقيمة فاصوليا خضراء تشبه لون الحياة .

