بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَتَّجِهُ بُوصَلَةُ البَشَرِيَّةِ غَالِباً نَحْوَ المَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ لِلنَّجَاحِ؛ فَتَنْصَرِفُ الأَعْيُنُ إِلَى الأَلْقَابِ، وَالمَنَاصِبِ، وَالأَرْقَامِ، وَتَنْبَهِرُ بِالمُنْتَصِرِينَ فِي سَاحَاتِ العَرْضِ العَامِّ.
غَيْرَ أَنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي غَالِباً مَا تَتَوَارَى خَلْفَ صَخَبِ الحَيَاةِ هِيَ أَنَّ المَعَارِكَ الكُبْرَى، وَتِلْكَ الَّتِي تَلِيقُ حَقّاً بِالإِنْسَانِ، لَا تُدَارُ عَلَى مَسَارِحِ الدُّنْيَا ابْتِدَاءً، بَلْ تُخَاضُ وَتُحْسَمُ أَوَّلاً فِي خَلْوَةِ الرُّوحِ مَعَ ذَاتِهَا.
إِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ وَالأَصِيلَ الَّذِي يَنْبَغِي عَلَى المَرْءِ تَحْقِيقُهُ لَيْسَ انْتِصَاراً عَلَى خَصْمٍ مُفْتَرَضٍ، بَلْ هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى تَجَاوُزِ عَتَبَاتِ الإِخْفَاقِ، وَطَيِّ صَفَحَاتِهِ بِكُلِّ تَفْصِيلَاتِهِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي طَالَمَا اسْتَنْزَفَتْ طَاقَتَهُ، وَأَوْهَمَتْهُ خَطَأً بِأَنَّهُ مَهْزُومٌ بِالفِطْرَةِ.
سَدُّ مَنَافِذِ الجَلْدِ وَاللَّوْمِ المُسْتَمِرِّ :
إِنَّ رِحْلَةَ التَّعَافِي الحَقِيقِيِّ تَبْدَأُ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِنْزَافِ النَّفْسِيِّ المَعْرُوفِ بِـ “جَلْدِ الذَّاتِ”؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَغْرَقُ فِي اجْتِرَارِ أَخْطَاءِ المَاضِي، فَإِنَّهُ يُشِيدُ بِيَدَيْهِ سِجْناً مِنَ الوَهْمِ، مُكَرِّراً إِقْنَاعَ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَهَّلٍ لِلنَّجَاحِ.
إِنَّ الإِخْفَاقَ فِي عُرْفِ الحُكَمَاءِ لَيْسَ هُوِيَّةً دَائِمَةً، بَلْ هُوَ مَحَطَّةٌ عَابِرَةٌ فِي مَسَارِ التَّعَلُّمِ. وَلِذَا، فَإِنَّ أُولَى خُطُوَاتِ الِانْتِصَارِ الدَّاخِلِيِّ تَكْمُنُ فِي إِغْلَاقِ مَحَاكِمِ التَّفْتِيشِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتِي تُنْصَبُ لِلْمَرْءِ كُلَّمَا عَثَرَ، وَاسْتِبْدَالِ كَثْرَةِ لَوْمِ النَّفْسِ بِالتَّبَصُّرِ، وَتَأْنِيبِ الضَّمِيرِ بِالوَعْيِ الرَّشِيدِ.
سِيَادَةُ البَابِ وَحِرَاسَةُ الحُدُودِ النَّفْسِيَّةِ :
إِنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدُودِ التَّصَالُحِ مَعَ المَاضِي، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ إِدَارَةَ الحَاضِرِ وَحِمَايَتَهُ مِنْ فَوْضَى الآخَرِينَ. وَكَمَا أَنَّ لِلْبُيُوتِ أَبْوَاباً تُوصَدُ فِي وَجْهِ العَوَاصِفِ وَالمُتَطَفِّلِينَ، فَإِنَّ لِلنُّفُوسِ أَسْرَاراً وَأَسْوَاراً يَجِبُ أَنْ تُرْفَعَ بِعِنَايَةٍ وَصَرَامَةٍ.
إِنَّ السَّمَاحَ لِلآخَرِينَ بِاقْتِحَامِ المِسَاحَاتِ الخَاصَّةِ، أَوْ تَرْكَ البَابِ مُشْرَعاً أَمَامَ عَبَثِهِمْ وَآرَائِهِمُ المُحْبِطَةِ، هُوَ دَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْفَوْضَى أَنْ تَسْتَوْطِنَ الأَعْمَاقَ. وَحِينَ يَرْفَعُ الإِنْسَانُ أَسْوَارَ احْتِرَامِهِ لِذَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْزِلُ نَفْسَهُ عَنِ العَالَمِ، بَلْ يَفْرِضُ عَقْداً اجْتِمَاعِيّاً قِوَامُهُ الِاحْتِرَامُ المُتَبَادَلُ، وَيَحْمِي طَاقَتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ مِنَ الهَدْرِ العَبَثِيِّ.
خُلَاصَةُ القَوْلِ :
إِنَّ الِاسْتِقْرَارَ النَّفْسِيَّ، وَالتَّحَرُّرَ مِنْ أَثْقَالِ الإِخْفَاقِ، وَحِرَاسَةَ الحُدُودِ الشَّخْصِيَّةِ، هِيَ الأَرْكَانُ الثَّلَاثَةُ لِـ “النَّجَاحِ الدَّاخِلِيِّ”.
وَمَا أَرْوَعَ الِانْعِكَاسَ حِينَ يَتَحَقَّقُ؛ فَالْمَرْءُ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي أَعْمَاقِهِ، وَاعْتَنَى بِذَاتِهِ، وَتَصَالَحَ مَعَ رُوحِهِ، بَدَا ذَلِكَ جَلِيّاً فِي مِشْيَتِهِ، وَحَدِيثِهِ، وَحُضُورِهِ، وَصَارَ صَدَى سَلَامَةِ بَاطِنِهِ يَمْلَأُ الخَارِجَ هَيْبَةً وَوَقَاراً. وَحِينَئِذٍ، يُدْرِكُ الإِنْسَانُ أَنَّ كُلَّ انْتِصَارٍ خَارِجِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لَيْسَ إِلَّا تَرْجَمَةً صَادِقَةً لِانْتِصَارٍ دَاخِلِيٍّ سَابِقٍ.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
د. خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّهْرَانِيُّ
عُضْوُ جَمْعِيَّةِ المُنْتَجِينَ وَالمُوَزِّعِينَ السُّعُودِيَّةِ التَّابِعَةِ لِوِزَارَةِ الإِعْلَامِ “كَاتِب”

