Site icon صحيفة صدى نيوز إس

زوجة من ذهب.. الحكمة في وقت الخلاف

محمد فريح الحارثي 

لواء متقاعد 

في كثير من البيوت، تدور قصص خلافات صامتة لا يعلم عنها أحد، لكن بعضها هي التي تحدد هل يستمر البيت متماسكاً وهادئاً، أم يتهدم ويتشتت الأبناء.

من أحد تلك القصص أنه كان هناك رجل صعب الطباع والعشرة، سريع الغضب والتسلط، وكانت زوجته تتحمله وتصبر عليه من أجل العِشرة ومن أجل أبنائهما.

كانت امرأة حكيمة تحب بيتها وتحرص على استقراره.

وفي يوم من الأيام، اشتد الخلاف بينهما، ووصل الغضب بالزوج إلى أقصى حد، فقال لها بقسوة: *”إجمّعي كل أغراضك، وخذي كل شيء يهمك في هذا البيت.. واذهبي إلى بيت أهلك إلى غير رجعة!”

كانت لحظة قاسية جداً، يمكن أن تنتهي بخراب البيت في ثوانٍ. لكن ردة فعل الزوجة كانت مفاجئة؛ لم تغضب، ولم تصرخ، ولم تبدأ في جمع ثيابها، وأغراضها بل قالت له بهدوء: “حاضر”

ثم مشت نحوه، وأمسكت بيده، ونظرت في عينيه وقالت: “أنت أغلى ما يهمني..”

لم تلتفت لمصاغ أو ملابس ولا حقائب، بل أخذت بيده هو.

في تلك اللحظة بالذات، سقط كل الغضب كأنه لم يكن. لم تكن الكلمة مجرد عاطفة، بل كانت صدمة وعي أفاقت الرجل من سكرة الغضب. كان ينتظر حرباً أو استسلاماً، فإذا به يواجه حبّاً خالصاً وإيثاراً يذيب أقسى القلوب. خجل الرجل من نفسه قبل أن يخجل منها، وتلاشت قسوته الطارئة أمام عظمتها، ولم يجد ما يعبر به عن ذهوله وحيائه سوى دموعٍ صادقة هطلت من عينيه؛ دموع رجل أدرك أنه كان على وشك أن يهدم بيده أنبل ما ملك في حياته.

ما أعظم تلك الزوجة وكم نحن بحاجة اليوم إلى مثل هذه الحكمة. فنحن نعيش في زمن أصبح فيه الخلاف السريع سبباً لإنهاء العلاقات لأتفه الأسباب. نعم، هناك رجال قاسون صعبو المراس، لكن في المقابل هناك زوجات حكيمات يتسلحن بالصبر والتضحية، لا خنوعاً، بل حرصاً على الأبناء وحمايةً لكيان الأسرة.

إن الحكمة هي موقف يُتخذ في اللحظة الحرجة. والتضحية الواعية هي القوة الحقيقية التي تصون العِشرة، وتثبت لنا دائماً أن كلمة طيبة واحدة وموقفاً حكيماً في لحظة انفعال قد ينقذان عائلة بأكملها، ويزرعان أثراً دافئاً لا يمحوه الزمن.

Exit mobile version