Site icon صحيفة صدى نيوز إس

مجلس الحكواتي غنوة مصطفى… حين يقف القانون أمام القصيدة

أدار الحوار: فايل المطاعني الحكواتي

المقدمة

ليست كل شاعرة تكتب قصيدة، وليست كل قصيدة قادرة على أن تكشف لنا العالم الذي يسكن صاحبها. فهناك شعراء يكتبون ما يشعرون به، وهناك شعراء يجعلوننا نعيد النظر فيما نشعر به، وفيما نظنه حقيقة.

ضيفتنا اليوم تجمع بين عالمين؛ عالم القانون بما يحمله من حجة ودليل ومسؤولية، وعالم الشعر بما يفتحه من أسئلة وتأويلات ومناطق لا تخضع دائمًا للمنطق.

إنها الشاعرة والمحامية غنوة مصطفى، صاحبة سبع مجموعات شعرية، التي تكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، وتتنقل في نصوصها بين العاطفة والاغتراب، وبين أسئلة الإلهام والهزيمة والحقيقة.

في قصائدها، لا نكتفي بسماع صوت القلب، بل نصغي إلى الإنسان حين يصارع ذاته، وإلى الشاعرة حين تعجز اللغة عن ملاحقة ما تريد قوله.

أهلًا بكِ، غنوة مصطفى، في مجلس الحكواتي؛ حيث لا نكتفي بالسؤال عمّا كتبتِ، بل نحاول أن نكتشف لماذا كتبتِ، وما الذي تخبئه الكلمات خلف ظاهرها.

المحور الأول: المحامية التي تسكنها شاعرة

س1:

غنوة مصطفى، أنتِ محامية تبحث عن الحقيقة بالأدلة، وشاعرة تبحث عنها باللغة والخيال. لكن دعيني أضعكِ أمام مفارقة: ماذا لو حكم العقل ببراءة شخص أدانه القلب؟ أيّهما تثقين به أكثر: المحامية التي بداخلكِ أم الشاعرة التي قد ترى الحقيقة في موضع لا يراه القانون؟

ج1:

غنوة لا تفصل بين العقل والقلب؛ فما يهتف به القلب يثبته العقل في معظم الأحيان. وربما يعود ذلك إلى أن للقانون روحًا يجب على المحامي أن يتلمسها ببصيرته، وللقلب أدلة يقبلها العقل.

ولأن القانون والشعر من أجمل الأشياء التي أحبها، فلا أتخيل الجمود في أيٍّ منهما، بل أعتبرهما منهلًا للتجارب الإنسانية التي أسهمت في تشكيل شخصيتي المتوازنة، إلى حدٍّ ما، والواقعية في مواجهة جلّ المفارقات.

س2:

لديكِ سبع مجموعات شعرية، لكنني لا أريد أن أسألكِ عن عدد القصائد أو سنوات الكتابة. أريد أن أسألكِ عن الثمن: ماذا أخذت منكِ الكتابة مقابل ما منحتكِ إياه؟ وهل هناك قصيدة خرجت من روحكِ، لكنها تركت فيكِ شيئًا لم تستطيعي استعادته؟

ج2:

الكتابة منحتني أكثر مما أخذت. وهناك الكثير من القصائد التي تسكنني، وما زلت أشعر بأنني أطير وأحلّق كما كنت في اللحظات الأولى لكتابتها.

س3:

في قصيدتكِ «كفاكَ بخلًا» تقولين:

«فكم حذرت قلبي من هواهُ

تعاند مهجتي وتقول أهلًا»

هنا تعرف المرأة أن قلبها يقودها إلى طريق قد يؤلمها، ومع ذلك تفتح له الباب. هل نخطئ في الحب لأننا لا نعرف الحقيقة، أم لأننا نعرفها جيدًا، ثم نبحث عن مبررات كي لا نغادر؟

ج3:

في الحب، تكون المبررات جاهزة، رغم أننا نعرف الحقيقة جيدًا، لكننا نرفض الرضوخ لها ونقاومها. هذه هي مفارقة الحب اللذيذة؛ ربما لأننا لا نستطيع أن نعيش بلا حب، وربما لأن الحب هو تلك الروح التي تتلبسنا وتحيل الرماد وهجًا.

س4:

عنوان «كفاكَ بخلًا» يحمل عتابًا، لكن القصيدة تنتهي بدعوة إلى العودة، وكأن القلب يشتكي من الحبيب ثم يمنحه فرصة أخرى. هل العتاب في الحب دليل على بقاء الأمل، أم أنه أحيانًا آخر وسيلة يتمسك بها الإنسان قبل أن يعترف لنفسه بأنه لم يعد يحصل على ما يستحقه؟ وكيف يتحول الألم، في تجربتكِ، من جرح شخصي إلى موقف من الهزيمة؟

ج4:

كثيرة هي المرات التي نقف فيها على أبواب الحقيقة عاجزين، مكبّلين بقيود خارجة عن إرادتنا. تهزمنا فلسفة الموت، وتتكوّر فينا الهزائم، وتتسرّب عبر أوردتنا كجاثوم يسكن الأحلام الوردية، لكنها لا تنتصر علينا.

صحيح أن الهزيمة طرقت بابي كثيرًا، غير أنني، منذ وُلدت، قد وسمت الفجر حلمًا، ولم أهادن في قضية، كما أقول في قصيدة «حدثيني»:

قصيدة على تفعيلة الرمل

حدثيني

حدثيني يا شقية

هل طوانا العمر شوقًا

أم طوينا العمر طيًّا؟

هل ذبحنا في سرابٍ دفئنا

فاستباح الظل لونًا في المحيا؟

هل ترامت في أنين الجمر ألواحٌ لحرفي

فارتمى في العشق قلبي

واستوى في الحب لا يبدو شقيًّا؟

أم تراني بين أشواقٍ ومنفى

ساكنًا في المدّ

مفقود الهوية؟

لست أدري

قد أضلّ الخوف دربي

غير أني

دون خوف

قد لبست العشق صوتًا

طفت في ضوضائه

في مثل لحنٍ شدّ خيطًا من نياط القلب قسرًا

في ابتعادٍ جال أطراف الثريا.

دورة للعمر تجري في انشغالٍ

يهرب العمر كلصٍّ، ثم يمضي في تجاعيدٍ

خِلتُها ألف سطرٍ من حكاياتنا الشقية.

حدثيني، هل سيدنو أم نهاجر؟

هل سيأتي أم نغادر؟

هلوسات طفت فيها أشتكي

بيد أني، مذ خُلقت، قد وسمت الفجر حلمًا

لم أهادن في قضية.

المحور الثاني: الشاعرة وأسئلة الحب والحقيقة

س5:

في قصيدتكِ «حيًّا ومنهزمًا» جمعتِ بين الحياة والهزيمة في عنوان واحد. هل يمكن للإنسان أن ينجو بجسده، لكنه يخسر شيئًا جوهريًا من روحه؟ ومتى تتحول النجاة من انتصار إلى مجرد استمرار في الحياة؟

ج5:

كثيرة هي المرات التي نرضخ فيها لواقع معين. نحن، كشعوب عربية، هزمتنا في كثير من الأحيان حقيقة مجتمعاتنا ومشكلات هذا الشرق الذي لم يُكتب له البقاء دون تشظٍّ وانهزام.

أمام مشاهد الهزيمة التي تعيشها شعوب مقهورة، نجد أننا أصبحنا أحياءً بهيئة الموت، منهزمين بأرواحنا المبعثرة. ربما كانت النجاة أكثر ما نطلبه، فنعود من معاركنا الفاشلة أجسادًا فقدت شغف الحلم وشغف الحياة، بل وشغف الحب أيضًا.

الكاتب لا ينفصل عن واقعه. وربما كان لا يقبل الهزيمة ولا يعترف بها، لكنه لا بد أن يرصد حالة الانهزام فيمن حوله ويصفها.

س6:

في قصيدتكِ «واكتفينا بالجراح» تقولين:

«إنّا هزمنا واكتفينا بالجراحْ»

هذه ليست صورة فردية فحسب، بل عبارة تفتح بابًا واسعًا حول الاستسلام والتعب وفقدان الرغبة في المقاومة. هل كتبتِ إعلانًا عن الهزيمة، أم أردتِ أن تحذّري من الإنسان حين يعتاد جراحه حتى تصبح الهزيمة عنده حالة طبيعية؟

ج6:

أنا مقاتلة شرسة، لا أعترف بالهزيمة، رغم أنني صوّرتها. لكن لا بد من رصدها، وخاصة عندما تصبح حالة عامة في شعوب أنهكتها الحروب والفقر والجهل.

إنها دعوة إلى الحذر من الاعتياد على الهزيمة. أنا فينيقية، وأؤمن بأسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من تحت الرماد.

س7:

وتقولين في القصيدة نفسها:

«لكنه هزم الحقيقة واستراحْ»

بوصفكِ محامية، تدركين أن الحقيقة قد تكون مكلفة، وبوصفكِ شاعرة، تعرفين أن الإنسان لا يحتملها دائمًا. هل يخاف الناس من الحقيقة لأنها تؤلمهم، أم لأن الاعتراف بها قد يجبرهم على تغيير حياتهم وتحمل مسؤولية قراراتهم؟

ج7:

الحقيقة، نعم، مكلفة، وقد يخافها الناس لأنها قد تكون مؤلمة وقاسية. ولأننا مللنا الجراح، نخشى الاعتراف بها، ولو كان ذلك يعني أن نضحك على أنفسنا بالوهم.

المحور الثالث: الإلهام حين ينتزع الكلمات من صاحبتها

س8:

في قصيدتكِ المؤرخة في 20 سبتمبر 2025، تصفين الإلهام كأنه زائر يوقظكِ ويسألكِ ثم يغادركِ، حتى تعجز اللغة عن ملاحقته. وتقولين:

«فقد قاربت حد العجز في لغتي وفي أوزان صرفية»

كيف تصل شاعرة تملك أدوات اللغة والوزن إلى لحظة تعجز فيها عن التعبير؟ وهل يكون العجز أحيانًا دليلًا على أن التجربة أكبر من اللغة، أم أن الشاعر مطالب دائمًا بأن يجد الشكل الذي يحتملها؟

ج8:

آهٍ من الإلهام! لقد عجزت عن معرفة ماهيته الفيزيائية والكيميائية. كيف يأتي بغتة؟ وكيف يحوّلنا إلى أطفال صغار ننطق السحر ونكتبه؟ نتماهى معه ونذوب فيه، ونصبح خفيفي الأجسام، نطوف السماوات ونبحر في بحاره.

أعتقد أن التجربة الشعورية والشعرية وضعتني أمام لغة أصبحت قاصرة عن الوصف، رغم عظمتها واتساع مفرداتها ومعانيها وخصوبة صورها.

س9:

تختمين قصيدتكِ بقولكِ:

«هو الإلهام يا سادة إذا ما جاء يلبسنا جنونًا لا نقاومه»

هل تؤمنين بأن الإبداع يحتاج إلى قدر من الجنون حتى يتجاوز المألوف، أم أن وصف الشعراء بالجنون قد يكون أحيانًا طريقة رومانسية لتفسير عملية إبداعية شديدة التعقيد؟ وأين تقفين أنتِ بين العفوية الشعرية والانضباط الفني؟

ج9:

أنا في المنطقة الوسطى بين العفوية والانضباط؛ فالإفراط في أي شيء يفسده. فالانضباط الزائد عن اللزوم يرميك في الرتابة ويبعدك عن الجاذبية، والعفوية المفرطة توقعك في الاستسهال وتهوي بك إلى الحضيض.

وهذا ما نلمسه في الشعر أكثر من غيره من الفنون، نظرًا إلى الصراع بين النثر والعمود، وإلى المفهوم الضيق للشعر وحصره في نمط معين.

بينما يجلس الشعر على عرشه عندما يخرج الشعر العمودي عن رتابته، بصوره المميزة وبديعه المختلف، فيتناغم جرسه مع صورته في الفؤاد. وكذلك الشعر النثري، حين يتجاوز عفويته ويكتسي ثوب الرمزية والدلالة، يصبح أجمل بكثير من القوالب الجاهزة.

في النهاية، نحتاج إلى إمساك العصا من المنتصف لنكون ناجحين في أي شيء نقوم به.

المحور الرابع: المرأة خلف القصيدة

س10:

حين تكتب المرأة عن الحب والخذلان، يذهب بعض القراء مباشرة إلى حياتها الخاصة، وكأن القصيدة اعتراف قضائي لا نص أدبي. هل تشعرين أن الشاعرة العربية مطالبة بالدفاع عن حياتها أكثر من الدفاع عن جودة نصها؟ وكيف تحمين حقكِ في الخيال دون أن تضطري إلى كشف خصوصيتكِ؟

ج10:

ليست الشاعرة مضطرة إلى الدفاع عن نفسها؛ فهي ليست أمام اعتراف قضائي، بل تكتب للعقول النيّرة. وعليها أن تكون قوية بما يكفي لتعبّر عن رؤيتها، ولا سيما في القضايا التي تخص المرأة، حيث تستطيع الكتابة أن تكشف جوانب كثيرة من واقعها.

وكوني ناشطة في مجال حقوق المرأة، أجد نفسي في الخط الأول للدفاع عن المرأة وحرية الكتابة والتعبير. لسنا نحن من يحتاج إلى تقديم التبرير، بل يجب أن يكون هدفنا تغيير النظرة المجتمعية إلى ما تكتبه المرأة؛ وهي مهمة ليست بالسهلة أبدًا.

س11:

تكتبين القصيدة العمودية والتفعيلة، ولكل منهما نظامه الموسيقي وطاقته التعبيرية. عندما تطرق فكرة ما بابكِ، هل تختارين الشكل الذي يناسبها، أم أن الإيقاع يولد مع الفكرة منذ اللحظة الأولى؟ وهل تستطيعين أن تقولي في أحد الشكلين ما تعجزين عن قوله في الآخر؟

ج11:

أنا لا أختار القصيدة؛ فهي تأتي كما يأتي بها شيطان الشعر، حتى إنني لا أختار البحر الذي أكتب عليه.

وبصراحة، رغم حبي للشعر العمودي، فإنني أجد شعر التفعيلة أسلس في إيصال الأفكار، وقد يُقال من خلاله الشعر بطريقة أكثر قبولًا لدى المتذوق الذي أصبح، في هذا العصر، ميّالًا إلى الشعر الحر.

س12:

في قصائدكِ نرى انتقالًا من وجع القلب في «كفاكَ بخلًا»، إلى الغربة والهزيمة في «حيًّا ومنهزمًا»، ثم إلى الجراح التي تتجاوز الفرد في «واكتفينا بالجراح». هل تغيرت نظرتكِ إلى الحياة خلال هذه التجربة، أم أنكِ كنتِ تحملين هذه الأسئلة كلها منذ البداية، ولم يكشف كل نص إلا جانبًا منها؟

ج12:

ما زلت أبحث عن الذات من خلال أسئلتي الوجودية، وأكتشف مكنونات هذا العالم الذي يضم الكثير مما أجهله، إلى جانب الحالة الشعورية التي لا تفصلنا عما نعيشه ونتعايش معه.

وكل ذلك يجعلني مستمرة في البحث وطرح الأسئلة التي تغيّرنا، فنصبح أحيانًا لا نشبه ذواتنا القديمة.

س13:

لو وقفتِ اليوم أمام غنوة التي كتبت «كفاكَ بخلًا» عام 2021، ثم أمام غنوة التي كتبت «واكتفينا بالجراح» عام 2025، فهل ستجدين المرأة نفسها، أم ستجدين إنسانة تغيرت رؤيتها للحب والأمل والحياة؟ وما الشيء الذي لم تستطع السنوات تغييره فيكِ؟

ج13:

نحن نتغير كثيرًا، بالتأكيد. نتغير وننضج بتجاربنا، ونصبح أكثر واقعية وفهمًا لمشكلاتنا وهمومنا، وأكثر قدرة على قراءة واقعنا.

لكن عنادي وروح التحدي لديّ لم يتغيرا؛ فما زلت متمردة وعنيدة، لأنني متسلحة بميزان العدل ومؤمنة بالأحلام.

س14:

سأطرح عليكِ سؤالًا لا يتعلق بقصيدة بعينها: هل يملك الشاعر شجاعة مواجهة الحقيقة التي يكتب عنها في حياته الخاصة، أم أن بعض الشعراء يستطيعون وصف وجع الآخرين بدقة مذهلة، بينما يعجزون عن مواجهة وجعهم الشخصي؟ وأين تجدين نفسكِ في هذه المفارقة؟

ج14:

نحن بارعون في المواربة؛ نهرب أحيانًا من آلامنا ومن الحقيقة المؤلمة، ونتمنى أن يقولها غيرنا. للأسف، لا أتوقع أن لدى الشعراء شجاعة المحاربين في قول الحقيقة.

س15:

بعد سبع مجموعات شعرية، وبين مهنة تبحث عن العدالة وقلم يبحث عن المعنى، أريد منكِ إجابة بعيدة عن المجاز هذه المرة: هل تكتبين لأنكِ وجدتِ في الحياة ما يستحق أن يُقال، أم لأن هناك أشياء عجزتِ عن قولها في الحياة، فوجدتِ في الشعر المكان الذي تستطيعين فيه أن تقوليها دون خوف؟

ج15:

أكتب لأن في الحياة ما يستحق أن يُقال، ولأن فيها أيضًا أشياء نعجز عن قولها كما نشعر بها. الشعر بالنسبة إليّ ليس مجرد بوح عاطفي، بل هو موقف من الحياة، ومحاولة لفهم الذات والآخرين، ومواجهة الأسئلة التي لا تمنحنا الحياة إجابات جاهزة عنها.

أنا لا أكتب هربًا من الحقيقة، بل أقترب منها بطريقتي، حتى وإن كانت مؤلمة. وأحيانًا أجد في القصيدة مساحة أقول فيها ما يصعب قوله في الواقع. قد أكتب عن الهزيمة، لكنني لا أؤمن بالاستسلام، وقد أكتب عن الجراح، لكنني أؤمن بقدرة الروح على النهوض من تحت الرماد، مثل طائر الفينيق.

لذلك أكتب لأنني ما زلت أبحث، وما زلت أؤمن بأن للكلمة أثرًا، وبأن القصيدة تستطيع أن تفتح نافذة في جدار الصمت، وأن تمنحنا شجاعة النظر إلى أنفسنا وإلى العالم بعيون أكثر صدقًا.

وربما لهذا السبب تحديدًا ما زلت أكتب؛ لأن بعض الأسئلة لا نكتبها لنجد لها إجابة، بل لأننا لا نستطيع أن نتوقف عن البحث عنها.

المحور الخامس: الحكواتي والتجارب الثقافية الجديدة

س16:

غنوة مصطفى، اسمحي لي أن أخرج قليلًا من حدود القصيدة إلى تجربة الحكواتي؛ فالحكواتي ليس مجرد راوٍ يستعيد الحكايات، بل يحاول أن يمنح الكلمة مجلسًا، ويمنح الكاتب مساحة يلتقي فيها بالناس بعيدًا عن صرامة المنابر التقليدية.

من وجهة نظركِ، هل يمكن لمثل هذه التجارب أن تؤسس لصالون أدبي بروح جديدة، يعيد للشاعر والكاتب العربي حضورهما وتأثيرهما في المجتمع؟ وهل ترين أن الحكواتي يفتح بابًا مختلفًا أمام الثقافة العربية، أم أن هذه التجارب تحتاج إلى شروط معينة كي تتحول من مبادرة فردية إلى مشروع ثقافي مؤثر؟

ج16:

بالتأكيد، تجربة الحكواتي تفسح المجال أمام شريحة واسعة، وهي تؤسس لصالونات أدبية بروح جديدة، وخاصة أننا نعيش في عصر الميديا.

أنا أعترف بأن الخطوة صعبة، وأن الإنجاز قد يكون دون مستوى الطموح، لكن التأثير يأتي عبر الإصرار والمتابعة وعدم الانهزام؛ فالفضاء رحب، وعندما تتوفر الأدوات، سيفتح باب جديد ومختلف.

كلمة شكر من الضيفة إلى الحكواتي ومجلسه الثقافي

أتوجه بالشكر والتقدير إلى الحكواتي فايل المطاعني على هذه المساحة الثقافية الراقية، وعلى أسئلته التي منحتني فرصة للحديث عن تجربتي الشعرية والإنسانية من زوايا مختلفة، بعيدًا عن الأسئلة التقليدية.

كما أتقدم بالشكر إلى مجلس الحكواتي الثقافي على هذه المبادرة التي تفتح أبواب الحوار أمام المبدعين، وتمنح الكلمة مساحة تستحقها، وتؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على جمعنا حول الفكر والجمال والاختلاف الخلّاق.

كل التقدير للحكواتي ولمجلسه الثقافي، مع أمنياتي لهذه التجربة بمزيد من النجاح والاستمرار، وأن تظل منبرًا يضيء العقول، ويمنح المبدعين فرصة الوصول إلى جمهور أوسع.

خاتمة الحكواتي

في هذا المجلس، لم نحاول أن نحاكم القصائد، ولم نطلب من الشاعرة أن تكشف أسرارها، بل حاولنا أن نقترب من الأسئلة التي تجعل الشعر تجربة إنسانية تتجاوز حدود الكلمات.

من عتاب القلب إلى فلسفة الهزيمة، ومن صراع اللغة مع الإلهام إلى العلاقة المعقدة بين الحقيقة والوجدان، أخذتنا غنوة مصطفى إلى عوالم متعددة، تذكّرنا بأن القصيدة ليست دائمًا إجابة، بل قد تكون السؤال الذي يرافقنا طويلًا بعد انتهاء القراءة.

الشاعرة والمحامية غنوة مصطفى، شكرًا لحضوركِ، ولما منحتِنا إياه من وقت وفكر. وشكرًا لأنكِ شاركتِنا جانبًا من رحلتكِ مع الكلمة، وتركتِ لنا فرصة أن نصغي إلى ما وراء النص، دون أن نختزل الشاعرة في قصائدها، أو نحصر القصيدة في تجربة واحدة.

كان معكم الحكواتي فايل المطاعني، من مجلس يؤمن بأن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تصل، وأن الحوار الحقيقي لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل يفتح أبوابًا جديدة للفكر والتأمل.

دمتم بخير، وإلى حكاية جديدة من حكايات مجلس الحكواتي.

Exit mobile version