دكتور_حسن_الأمير
إن الطوفان الروحي الذي يبعثه العشق في كينونة الذات ليس مجرد حكاية عابرة يخطها الزمن على هامش الأيام بل هو المحرك الأول الذي تنفكّ عنده مغاليق الوجود………
فالعاشق حين يخطو خطوته الأولى في وادي الوجد لا يعود ينظر إلى الكون بعينين من طين بل تنبعث في باطنه البصيرة الأزلية التي ترى الأشياء في حقيقتها العارية من الزيف……..
إنها اللحظة التي تدرك فيها الروح أن كل ما قبل المحبوب كان عماءً سديميًا وأن كل ما بعده هو الخلود الحي الذي لا يطاله الأفول…..
في هذه المرتبة العلوية من الانصهار يتجلى العشق بوصفه المعرفة المطلقة فالمرء لا يَعرف ليحب بل إنه يحب لكي يَعرف. وحين تنصهر (الأنا) يحدث ذلك التغيير الأجمل في جدار الزمن إذ تتوقف الدقائق عن الدوران وتغدو اللحظة الواحدة الممتدة مع المحبوب دهرًا سرمديًا لا بداية له ولا انتهاء…….
إنه الاكتفاء الذي يقلب موازين الحاجة البشرية فيتحول الحرمان في ظله إلى امتلاء والفقر إلى غنى متعال عن المادة …..
وتصبح كلمة “وكفى” هي المفتاح السحري الذي يغلق خلف الروح أبواب العدم ويفتح لها فردوسًا من النور الخالص…….
هنا في تخوم هذا الانخطاف الساحر، تتكشف فلسفة “المرايا المتطابقة” فالمحبوب ليس كائنًا خارجيًا نقتفي أثره في دروب الغربة بل هو “المثال النوراني” لما تاق الصدر إلى استعادته منذ فجر الخليقة…..
إن العشق إعادة لم شمل الروح المغتربة بوطنها الأصلي فلولا النظرة الساكنة في عيني المحبوب لبقيت الذات تائهة في صحراء الفراغ تبحث عن ظل يقها هجير الأسئلة…..
وفي تلك العينين تحديدًا يسقط العقل في غيبوبته الكبرى
لا عجزًا ولا جهلاً بل إجلالاً وتصاغرًا أمام حقيقة أسطورية تعجز عن تأطيرها القواميس وتضيق بحدودها الفلسفات
ولأن العشق هو جوهر الانقلاب الكوني فإنه يحيل الألم مقدسًا والسهاد عبادة والتياع الأشواق ترانيم طهر وتزكية فالعاشق الصادق لا يخشى الاحتراق بحطب الشوق لأنه يدرك أن الرماد الذي سيتخلف عن هذا الحريق هو التراب المقدس الذي ستنبت منه أزهار الخلود إنه يمشي على جمر التنائي والوجد لا ليثبت صبرًا بل لأن نار الباطن قد جعلت من ظواهر الوجع بردًا وسلامًا حتى لكأن العذاب في شرعة الوجد هو النعيم الأسمى الذي به تتمايز الضمائر وبه يُعمّد الداخل بماء القداسة الباقية……
إنه السر الأعظم الذي هبطت به السماء إلى الأرض لتقول للبشر إنكم لستم مجرد أجساد تسعى نحو فنائها الحتمي بل أنتم نفحات من نور علوي
لا يسترد أجنحته المفقودة
ولا يحلق في سماوات الكبرياء إلا إذا مسّته عصا العشق السحرية فيقوم من موته ليحيا حياة ساحرة سرمدية لا تزول بزوال الأجرام ولا تنتهي بانتهاء الأزمان…….
فالحب كفى بها من حقيقة والعشق كفى به من وجود..
…………
أحببت كونك .. والوجود كفاني
وغدوت في ملكوته سلطاني
مذ لاح وجهك في دياجير الحِجَا
أيقنت أَنك مولدي ومناري
قالوا: كفى! فصرخت من فيض المدى
عشقي امتداد مجرة ومدارِ
ما الحب نبض في الضلوع مآلهُ
بل ثورة تجتث كل جدارِ
أَنا من رمى خلف المظاهرِ عمرهً
وزهدت في الدنيا وفي الأَقطارِ
عيناك كُلُّغ الأرض في شرع الهوى
وصداك روض غامر الأَشجارِ
فإِذا احترقت بجمر شوقك مرةً
فالنار برد .. والأَسى أزهاري
أنا ما أردت من الحياة غنيمةً
بل أَن أُضيء.. بعشقك الأَنوارِ
#دكتور_حسن_الأمير

