ا/محمد باجعفر
لم تكن أبوعريش عبر تاريخها مجرد نقطة في الخارطة، بل كانت ولا تزال «القلب النابض» لمنطقة جازان. تتربع في موقع استراتيجي فريد يتوسط المنطقة، فتغدو شرياناً وحلقة وصل بين الساحل والسهل، والوادي والجبل. فيها تتعانق النسمات، وتتلاقى المسارات، لتنسج على مدى القرون ملحمة إنسانية واقتصادية وثقافية لا تشبه غيرها.
سوق الأربعاء: حكاية اليوم الموعود
إذا كانت الأيام تتشابه في روزنامة الزمن، فإن لـ «يوم الأربعاء» في أبوعريش نكهة خاصة وذاكرة لا تمحى.
مع ساعات الفجر الأولى، تستيقظ المحافظة على وقع خطوات الباعة والمتبضعين القادمين من كل حدب وصوب: من أعالي جبال فيفاء والحشر وسلا وقيس، ومن أعماق الأودية الخصيبة، ومن القرى الممتدة على بسائط السهول. يتدفق الجميع إلى السوق الشعبي الأسبوعي الذي وقف شاهداً حياً على أصالة هذه الأرض منذ قديم الزمان.
في السوق، لا تباع البضائع فحسب، بل تُتبادل الابتسامات والقصص والأخبار، ليصبح المكان منتظماً اجتماعياً وإنسانياً تجمع فيه المودة بين القلوب قبل التجارب والمعاملات.
مظاهر التراث والحرف: نتاج الأرض ومهارة الإنسان
يتجلى التنوع الثقافي والحرفي لمنطقه جازان في أروقة هذا السوق الدائم الحركة، حيث المعروضات الممزوجة بأرق العرق وكفاح الأجداد:
الصناعات الطينية والحجرية:
أوانٍ منزلية صُنعت بأيدي الصنّاع المهرة؛ من “المغش” الحجري الذي يكتنز طعم الإدام الأصيل، إلى “المهراس” و”الزير” و”الجبلة” الطينية التي تحفظ برودة الماء وعراقة الطين.
المنتجات الخشبية والزراعية:
أدوات وأوانٍ حُفرت من جذوع الأشجار المحلية كالدرم والعتم والثلث، وأدوات الحراثة والزراعة القديمة كالـ “مجرار” و”اللومة” التي أطردت الخيرات من أرض جازان المعطاءة.
الملبوسات والأدوات التراثية:
المعروضات التراثية من الملبوسات الجازانية الفريدة، والأدوات المصنوعة من الخصف وسعف النخل كـ “المظلة” و”المكتل” و”المهجان”.
عطر التقاليد والأريج الجيزاني:
تفوح من الممرات روائح البخور الجيزاني، والفل الأبيض الناصع، والواله، والشذاب، والبعيثران، لتملأ الأجواء بعطر فريد يستقبل كل ما يقدمه هذا المكان.
عبقرية التضاريس والمناخ: جازان الإعجاز والجمال
تختزل أبوعريش وسوقها لوحة جازان الكبرى؛ هذه المنطقة الاستثنائية التي حبتها الطبيعة بما ندر أن يجتمع في منطقة واحدة:
تنوع التضاريس: تجمع بين الجبل الأشم بكل شموخه وروافيه، والسهل الخصيب الممتد، والوادي الهدار بالخير والدفء، والبحر الممتد بشواطئه وآفاقه.
تنوع المناخ: يتنقل الإنسان في جازان خلال ساعات قليلة بين المناخ البارد في أعالي الجبال، والمناخ المعتدل والدافئ في السهول والشواطئ، في تنوع مناخي يجعلها بستاناً متجدداً على مدار العام.
رسالة إلى الأجيال هكذا هي أبوعريش.. حارسة التراث وقلب جازان المضيء. يظل سوقها الشعبي بيوم الأربعاء رمزا حياً للانتماء، ووثيقة إنسانية تجسد كفاح الآباء والأجداد، ونبضاً مستمراً يربط الماضي الجميل بحاضر المحافظة المشرق.

