Site icon صحيفة صدى نيوز إس

نفس الكأس ..

 

 

الكاتبة : فاطمة روزي ..

 

عشتُ حياة هادئة بعد زوبعة مهلكة كادتْ تعصف بكل ما بنيته من أحلام، كانت الأيام الماضية كعاصفة هوجاء لم تترك خلفها سوى الركام، لكنني قررت ألا أكون جزءً من ذلك الحطام، بيمين حاسمة، وإرادة قاطعة, أغلقتُ أرشيف الذكريات الأليمة, وألبوم الماضي الصارم، أقفلتُ مزلاجه الصدئ الجاف، ودفنت مفاتيحه في أعماق النسيان السحيق، ولم ألتفت ورائي قط ..

 

فتحتُ أبواب الحاضر ونوافذ المستقبل، واستقبلتُ نسيم الوقت القادم بصدر رحب، مؤمنةً بأن في الغد متسعًا لنور جديد, وبريق مهيب، وكان العالم من حولي قد تبدل، بريق خادع يملأ الشوارع، ووجوه تلتحف أقنعة ملونة ملوثة في عصر طغت فيه المظاهر واختفت خلفه الحقائق، إنه زمن الزيف والرداءة، حيث تباع الأوهام في سوق العلاقات، وتُقاس قيمة المرء بما يظهره لا بما يبطنه ..

 

ففي وسط هذا الصخب المصطنع، قررتُ أن أصنع واحة غنّاء خاصة بي، لم أستسلم لزيفهم، بل جعلتُ من بساطتي وعفويتي درعًا يحميني، وهناك، بين خيوط الفجر الصادق وظلال المساء الهادئ، إلتقيت بروح تشبهني، روح سئمت هي الأخرى من الأقنعة وتبحث عن جوهر حقيقي في عالم من سراب ..

 

نظرتُ إليهم، فرأيت في أعينهم بريقًا لا يعرف الكذب، وامتدت أيدينا لنرسم معًا مسارًا مختلفًا، إلتقت رغباتنا في العيش بمزامير الصدق، ربابة المودة, وقيثارة السعادة وناي الإخلاص, وبعيدًا عن تزييف البشر، همستُ لهم بأننا الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، أن نبدأ معًا حكاية ألف ليلة وليلة في زمن الكذب والخداع، حكاية ننسج فصولها بدروع الوفاء وحصن النقاء، ونثبت فيها للعالم أن الحب الحقيقي والقلوب الصافية هي الأساطير الوحيدة التي لا تموت، مهما كثرت الأقنعة وتعددت الروايات الزائفة ..

 

فكنتُ أخبرهم بسهام خذلانهم كي لا يخذلوني, تحدثتُ عن زمهرير قسوتهم فقسو عليّ بكل هدوء, أخبرتهم عن سوء معاملتهم المدمرة فعاملوني بصفعات مدوية, حدثتهم عن رحيلهم الغادر لكي لا يرحلو ولكنهم أحبطوا أملي، وثقتُ بهم لكن للأسف خاب ظني وفعلوا مثلهم بل وأقوى ما لديهم دون رحمة ولا شفقة, سيوف انكسار, طعنة خذلان, ثم صدمة قاتلة، ثم نفثوا في وجهي ثلاثًا للشتات، ثلاثًا للحزن، تطوف حولهم الطعنات الغادرة, للأسف كنتُ أراهم وطن رؤوم، بينما كنتُ لهم مجرد محطة عابرة ..!

 

فتهاوت الجدران المزيفة التي بناها الوصوليون حولي، وتساقطت المواثيق الزائفة كأوراق الخريف الجافة، ومعها تعرتْ الوجوه الواحدة تلو الأخرى، لأكتشف عن وجوهٍ شوهتها خناجر الأنانية وسهام المصالح الضيقة، وانكشف المستور، وبانت لي الحقائق العارية “للنرجسيين” التي طالما ترفعتُ عن تصديقها سنين عددا, واهتز المسرح الهزلي الذي أتقنوا التمثيل عليه لأعوام ..

 

لقد انكسرتُ وخُذلت لأنني كنتُ صادقة أكثر من اللازم، ترنمتُ بالوعود، بذرتُ الأرض بالإخلاص، وحففتها بالوفاء، وأسقيتها بأجمل سنين عمري بإهتمام، لكنهم جحدوا وخسروا قلب نظيف صادق لم مكان للكذب والغدر، كنتُ أظنهم نادرين، لكن خاب ظني، الخذلان لم يكسرني بل علمني كيف أحب، وكيف أختار بوعي، أثق بعقل وأعيش بكرامة ..

 

رباه إن الغدر حين يأتي من أقرب الناس يترك في الجسد ندوبًا لا تراها العيون، أولئك الذين فتحتُ لهم مشارف قلبي المؤصدة، وتقاسمتُ معهم رغيف العمر وأسرار الغد، هم أنفسهم من نسجوا لي شباك الخديعة, وهم يروني أسقط، ولم تكن السقطة جسدية، بل كانت هوة سحيقة مزقت روحي أشلاءً ودفنت مضغتي فتاتًا, وأُغلقتْ في وجهي كل أبواب الفرح، وتواطأت ضدي الظروف، ووضعوا حدودًا قاسية مبهمة متمسكين بأتفه الطروف ..

 

سأكتفي بصلواتٍ من الصمت، خشوعٍ من ديباجة المشاعر المنهكة، وسأدفن مزامير المحبة، قلاع المودة، أناشيد الألفة بضريح القلوب المكلومة، ثم انتزع الثقة من نبضي الذي دمر حانات شرايني وأزقة فؤادي، ليموت غيث حلمي، وتتلاشى جذور الأماني، فيرحل طيف جميل أبصرتُ بعده حقيقة مشرقة تفيض حنظلًا، لا أريد أن أنام لأحلم، بل أريد أن أنام لأنساهم، سأبحث عن بعضٍ مني تركته في أزقة الحياة وسأعيد ترميمه حديثًا ..

 

رباه .. إني أشكو إليكَ ضعفي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ..

رباه، اسقهم من نفس الكأس الذي سقوني إياه عدلاً وليس حقدًا، مثلما أذاقوني كأس علقم الانكسار، وقدح حنظل الخذلان أضعافًا مضاعفة ..

 

همسة:

صبرًا أيتها النفس الزكية قريبًا ستزول شواطيء المواجع وأمواج الجروح ..

Exit mobile version