الإعلامي/ خضران الزهراني عاشق القلم 🖊
خاطبتُ نفسي طويلًا، وأطلتُ الصمت، وكأنني أبحث في أعماقي عن كلماتٍ تُطمئن قلبي، وتُعيد إلى روحي سكينتها، فلم أجد أعظم من تقوى الله، ولا أجمل من الصبر، ولا أصدق من الرضا بقضاء الله وقدره، ولا أقوى من الثقة بربٍّ إذا أراد شيئًا هيّأ له الأسباب، وفتح له الأبواب، وغيّر الأحوال في لحظةٍ لا يتوقعها أحد.
قلتُ لنفسي: يا نفس، اتّقي الله في السرّ والعلن، وافعلي المعروف لوجه الله، ولا تندمي على خيرٍ قدّمتِه، ولا على يدٍ امتدّت بالعطاء، ولا على قلبٍ صَدَق في زمنٍ أصبح فيه الصدق نادرًا. لا تجعلي جحود الآخرين يُطفئ نور الخير في داخلك، ولا تسمحي للخيانة أن تُحوّلك إلى إنسانةٍ لا تشبه أخلاقك، فليس من الحكمة أن نخسر نقاءنا لأن غيرنا لم يعرف قيمة الوفاء.
افعل المعروف، ثم امضِ في طريقك، واترك الأجر عند الله؛ فالناس قد ينسون، وقد يجحدون، وقد يُقابلون الإحسان بالإساءة، لكن الله لا ينسى خيرًا فعلته، ولا دمعةً أخفيتها، ولا وجعًا كتمته، ولا صبرًا تحمّلته وأنت تقول في داخلك: حسبي الله ونعم الوكيل.
يا نفس، لا تحزني على خائنٍ كشفته المواقف، ولا تُرهقي قلبك في البحث عن تبريراتٍ لمن اختار أن يخذل ثقتك. لا تُطاردِي من استغنى عن وجودك، ولا تُعلّقي سعادتك على اعتذارٍ قد لا يأتي، ولا تنتظري الإنصاف من كل إنسان؛ فبعض الأمور يكفي أن تُسلّميها لله، وتُغلقي أبواب الحزن، وتمضي مرفوعة الرأس، مطمئنة القلب.
ليس كل صمتٍ ضعفًا، وليس كل ابتعادٍ هزيمة، وليس كل خسارةٍ شرًّا؛ فقد يُبعد الله عنك ما تعلّق به قلبك رحمةً بك، وقد يؤخّر عنك ما تتمنّاه ليمنحك ما هو خيرٌ لك، وقد يمرّ بك من الابتلاء ما يُعلّمك ألّا تتعلّق إلا بمن بيده ملكوت كل شيء.
ثقتي بالله أعظم من خوفي من الغد
أنا لا أملك تغيير كل ما يحدث حولي، ولا أستطيع أن أُعيد كل ما مضى، ولا أن أُجبر أحدًا على الوفاء، لكنني أملك قلبًا يُحسن الظن بالله، وروحًا تتعلّق برحمته، وإيمانًا يُخبرني أن تدبير الله أعظم من تدبيري، وأن رحمته أوسع من حزني، وأن الفرج قد يأتي في اللحظة التي أظن فيها أن جميع الأبواب قد أُغلقت.
ثقتي بالله ليست كلماتٍ أقولها حين تسير الحياة كما أريد، بل يقينٌ أتمسّك به حين تتعسّر الأمور، وصبرٌ أستند إليه حين تضيق بي الدنيا، ورضا أُجاهد نفسي عليه حين تأتي الأقدار على غير ما تمنّيت.
فالله هو المُعطي، وهو مقسّم الأرزاق، وهو الذي يُغيّر الأحوال، ويُبدّل العسر يُسرًا، ويجعل بعد الضيق فرجًا، وبعد الخوف أمنًا، وبعد الحيرة طمأنينةً. وما دام الأمر بيده، فلن أفقد الأمل، وما دمت أرفع يدي إليه، فلن أظن أن الدعاء يضيع، وما دمت أُحسن الظن به، فسأظل أرجو من فضله ما لا تبلغه حساباتي ولا تتخيّله أمنياتي.
سأرضى بما قُدّر لي من خيرٍ وشرّ، مع يقيني بأنني لا أُحيط بحكمة الأقدار، وسأصبر حين يتأخّر ما أريد، وأشكر حين تأتيني النعم، وأستغفر حين أُقصّر، وأعود إلى الله كلما أثقلتني الحياة؛ لأنني أعلم أن راحة القلب ليست في امتلاك كل شيء، بل في الثقة بمن يملك كل شيء.
يا رب… أنت أعلم بحال
يا رب، أنت أعلم بما في قلبي قبل أن تنطق به شفتاي، وتعلم ما أخفيه خلف ابتسامتي، وما أحمله من همومٍ لا يعلم بها أحدٌ سواك. تعلم ما تمنّيته ولم يتحقّق، وما صبرت عليه ولم أشتكِ منه، وما سامحت فيه ابتغاء وجهك، وما تجاوزته رغم أنه ترك في نفسي أثرًا لا أُفصح عنه.
اللهم يا جابر الخواطر، اجبر خاطري جبرًا يليق بعظيم قدرتك، وامسح عن قلبي آثار الحزن، وأبدل خوفي أمنًا، وقلقي طمأنينةً، وتعبي راحةً، وضيق صدري سعةً وفرجًا.
اللهم إنك تعلم حالي، ولا يخفى عليك أمري، فدبّر لي فإني لا أُحسن التدبير، واختر لي ولا تُخيّرني لنفسي، واكتب لي الخير حيث كان، ثم ارضني به. اللهم افتح لي أبواب رزقك، ويسّر لي أمري، وبارك لي فيما أعطيتني، وعوّضني عن كل ما فقدت بما هو خيرٌ لي في ديني ودنياي وآخرتي.
اللهم لا تجعلني أسيرًا للماضي، ولا أسيرًا لخذلان البشر، ولا تجعل قلبي يتعلّق بما ليس لي، وارزقني نفسًا مطمئنةً بقضائك، شاكرةً لنعمائك، صابرةً على بلائك، واثقةً بوعدك، راجيةً رحمتك.
اللهم ارزقني سعادة الدارين، وحُسن الخاتمة، وراحة البال، وصلاح الحال، وبركة العمر والرزق، ورضاك الذي لا تعدله سعادة، واجعل لي من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، ومن كل دعاءٍ نصيبًا من إجابتك بما تعلم أنه خيرٌ لي.
الخاتمة: سأبقى أؤمن أن القادم أجمل بإذن اللهط
يا نفس، لا تيأسي مهما طال الطريق، ولا تنكسري مهما اشتدّت العواصف، ولا تظنّي أن تأخّر الفرج يعني أن الله قد نسيك؛ فالله سبحانه لا يغيب عنه أنين قلبك، ولا تخفى عليه حاجتك، وهو أرحم بك من نفسك، وأعلم بما يصلح شأنك.
قد لا أفهم اليوم لماذا حدث ما حدث، وقد لا أعرف لماذا تأخّر ما تمنّيت، وقد لا أجد جوابًا لكل سؤالٍ يسكن قلبي، لكنني سأبقى مؤمنًا بأن لله في أقداره حكمة، وفي تدبيره رحمة، وفي عطائه فضلًا، وأن ما عنده أعظم من كل ما فقدته، وأن الأمل لا يموت في قلبٍ يعرف ربّه.
لن أندم على خيرٍ فعلته، ولن أسمح لخيانةٍ أن تسلبني طيبتي، ولن أجعل خذلان البشر يهزّ ثقتي بربّ البشر. سأصبر، وأرضى، وأدعو، وأسعى، وأترك ما لا أملك لله؛ فما خاب قلبٌ أحسن الظن بربّه، ولا ضاع عبدٌ جعل ثقته بالله فوق خوفه من الحياة.
وإن ضاقت بي الدنيا يومًا، سأرفع رأسي إلى السماء وأقول: يا رب، ليس لي بعدك ملجأ، ولا أعظم من رحمتك أمل، ولا أكرم من عطائك رجاء. أنا عبدك، وأمري بين يديك، وحالي لا يعلمه على الحقيقة إلا أنت؛ فاختر لي، واجبرني، وارحمني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
وسأظل أُحسن الظن بك يا الله، حتى وإن تأخّر ما أريد، وسأرضى بك ربًّا، حتى وإن لم أفهم كل ما يجري في حياتي، وسأتمسّك بالأمل، حتى وإن أثقلتني الأيام؛ لأنني أعلم أن الذي أخرج النور من قلب الظلام، قادرٌ على أن يُخرج الفرج من قلب الشدّة.
وفي نهاية حديثي مع نفسي، لم أجد أصدق من هذه الكلمات:
يا رب، إن كان لي نصيبٌ من الفرح فقرّبه، وإن كان في طريقي ابتلاءٌ فقوّني عليه، وإن كان في قلبي وجعٌ فاشفه، وإن كان في رزقي تأخيرٌ فبارك لي في انتظاري، وإن كانت لي أمنيةٌ لا يعلمها غيرك، فحقّقها لي إن كانت خيرًا، وعوّضني خيرًا منها إن لم تكن لي خيرًا.
اللهم اجعل خاتمة صبري فرحًا، ونهاية انتظاري جبرًا، وعاقبة دعائي استجابةً، واجعل القادم من عمري أجمل مما مضى، واكتب لي من الأقدار أطيبها، ومن الأرزاق أوسعها، ومن السعادة أكملها، ومن الطمأنينة أعمقها.
فأنا لا أعلم ماذا يحمل الغد، لكنني أعلم مَن يملك الغد؛ ولهذا سأمضي مطمئنّ القلب، مرفوع الرأس، مؤمنًا بربي، حتى يأتي من الله ما يُنسيني مرارة ما مضى، ويجعلني أحمده على كل شيء؛ على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما أخّر، وعلى ما اختار.
فالحمد لله على ما كان، والحمد لله على ما هو كائن، والحمد لله على ما سيأتي، والحمد لله في السراء والضراء، وفي الفرح والابتلاء؛ فكلّ شيءٍ بقدر، وكلّ أمرٍ إلى الله، وكلّ قلبٍ صادقٍ في التوكّل عليه لن يعدم خيره ورحمته.
يا رب، لا أريد من الدنيا أن تُعطيني كل ما أتمنّى، بقدر ما أريد قلبًا لا يفقد ثقته بك، ونفسًا لا تيأس من رحمتك، وخاتمةً ألقاك بها وأنت راضٍ عنّي.

