دكتور حسن الأمير
نقف في منتصف المسافة بين المقصلة والوعاء نرقب بأعين مذهولة يدًا تمسك بالفأس في يمينها وتبسط بيسارها جدولًا من ماء……..
إنه الفصام الوجودي في أبشع تجلياته أن يبتر المرء الأصل ثم يطالب الثمر بأن ينضج وأن يجتث العرق المغذي ثم يتساءل في دهشة مصطنعة عن سر الجفاف………
هذا العالم لا يعاني من شح الينابيع بل يعاني من لوثة الفؤوس التي تضرب في عمق الإنسانية والروح المجتمعية على حد سواء….
حين يكسر الجذر لا تهتك مجرد ألياف ممتدة في عتمة الأرض بل تبتر الذاكرة ويشوه الانتماء….
الجذر هو سردية الكائن حبل الوريد الكوني الذي يربط الماضي بالآتي……
وعندما يقرر أحدهم بوعي كامل
أو بجهل يشبه الجريمة أن يقطع هذا الاتصال فإنه لا يمارس فعل تشذيب أو حداثة بل يمارس فعل اغتيال للهوية والروح……
في البعد الإنساني والعاطفي تتجلى هذه الخديعة في أقصى صورها قسوة إنها قصة الخذلان حين يأتي أحدهم إلى أعمق مساحات الثقة في قلبك فيهدم جدران الأمان ويقطع حبال الوصل التي استغرقت سنوات لتنمو ثم يلتفت إليك بكل برود ليطالبك بالود والبهجة………
يقتلون في الأرواح الطمأنينة ويزرعون الشك والشروخ ثم يتساءلون بنبرة لائمة “لماذا تكسو ملامحك الوحشة؟ ولماذا صار حديثك جافا؟”
إنهم يبترون شغف العطاء فينا ثم يطالبوننا بفيض المشاعر إنه طلب الرواء الممعن في الزيف رواء لا يراد به إحياء النبتة بل تبرئة ذمة الجلاد أمام العيان وإيهام الذات بأن محاولة الإنقاذ قد بذلت ولكن الخلل كان في طينة الضحية لا في قسوة الساقي….
المفارقة الفلسفية المؤلمة تكمن في أن هذا الواقع يحاول دمج الجريمة بالإحسان……
يظن أن بضع قطرات من ماء الوعود أو الشعارات الرنانة أو العلاقات السطحية كفيلة بترميم ما هدمته يد بترت الجذور لكن الحقيقة التي تنطق بها الطبيعة الإنسانية تقول إنه لا قيام لفرع انبت وعاؤه الإصرار على سقاية الميت سواء كان قلبا مكسورًا
ليس كرمًا بل هو استهزاء بالوجع ومحاولة يائسة لإعادة تدوير الفأس في قالب إبريق…….
من يكسر الجذر يعلم تمامًا أنه يكتب السطر الأخير في كتاب الحياة والتميز لهذا الكائن أو المجتمع……
وحين يطلب رواءه فهو لا يبحث عن نبض حقيقي بل يبحث عن قناع مزيف يبرر فعلته ويمنحه شعورا واهيًا بالسيطرة…… فالجذور إذا انكسرت انكسر معها صعود الندى واستحالت كل محاولات السقاية التي تعد مجرد طقس جنائزي ممعن في الفراغ والغياب.
أيها الواقف بالفأس في يمينك
وبالإبريق في يسارك
تأمل صنيعك..
فالملهاة السريالية بلغت ذروتها
والفصام الوجودي بات يملأ وعاء المأساة.
عجبًا لك!:
كيف تجتث من عتمة الأرض أصلنا؟
كيف تبتر النبض في عروق الحكاية،
ثم تبسط جدولًا من وعود
وتسأل بذهول مستعار
أما زال يعلو النبتة الجفاف؟
يا هذا..إن الجرح لا يرتوي بدموع المصل المزيّف.
وحين كسرت الجذر لم تقتلع مجرد ليف وطين بل اغتالت يدك الذاكرة وهتكت اتفاقًا سريًا بين التراب والضوء…
في شرايين القلوب المعذبة
كم من خذلان لبس ثوب الرعاية!
تأتون إلى مساحات الأمان الطريّة فينا تهدمون جدران الثقة وتقطعون حبال الوصل التي نمت بالدمع والوقت
ثم تلتفتون بكل برود وتطلبون من الغصن المبتور أن يفيض ودًا وبهجة!
تغرسون الوحشة في الملامح
ثم تلومون البرود في نبرة الصوت…..
إنها سقايتك التي لا تروم بها الحياة…..
بل تبرئة الفأس أمام العيان
وإيهام نفسك بأن الخطأ كان في طين الضحية.. لا في يد الساقي.
انظر حولك..
هذا المشهد الفردي يمتد ليمتص الروح…..
حيث يعزل الانسان عن مائه الأول وتجفف في هدوء منابع هويته وإرثه بدعوى صياغة حياه جديده!
يكسر جذوره ويلقى بالإنسان في عراء الاستلاب ليحمل هوية مستعارة ملامح مشوهة ولغة
لا تشبه قلبه….
وتطالب النسيج الممزق بأن يمنح الدفء والقلب المسلوب بأن يثمر !
المفارقة الفلسفية تصرخ في وجه هذا الزيف لا قيام لفرع بتر جذره
والإصرار على سقاية الميت ليس كرمًا..
بل هو استهزاء ممعن بالوجع
ومحاولة بائسة لإعادة تدوير الجريمة في قالب إحسان…
من يكسر الجذر يعلم أنه يخط السطر الأخير وحين يطلب الرواء فهو لا يبحث عن نبض أو خضار بل يبحث عن قناع يبرر طعنته ويستر عورة الفأس وراء لمعان الماء…..
لكن الحقيقة باقية إذا انكسر الأصل.. انكسر معه كل شيء
ببترك للجذور سعيت ظُلماً وتطلب بعد فعلتك الرَّواءَ!
تسيل بفأسك اليمنى نَجيعاً وتسكب في اليسار لنا الشِّفاءَ
وتعجب كيف مات الغصن جَفّاً وتنكر أنَّ بترك ما أَساءَ!
قَطعتَ منابع الوجدان عَمْداً وتسأل بعد موت الحب ماءَ؟
غرست الوحشة النكراء فينا
ونمت وتبتغي منا الوفاءَ
برئت من الأصالة في غُرورٍ
وبعت الهَدْيَ تلتمس الثَّناءَ
نفيت معالم التاريخ حَتَّى
غدا قلبي من التغريب نَاءَ
قشور براءة لم تُغن شَيئاً
وبتر الأصل لا يبني حياةَ
سقاية ميت الأجداث زَيْفٌ ومشهدك الأثيم بدا رِياءَ
فلا يرجو الندى من خان عِرْقاً
ومن كسر الأصول رأَى الفَنَاءَ
دكتور_حسن_الأمير

