الفصل الثاني
بقلم/ فايل المطاعني الحكواتي
حاول حميد أن يتذكر شيئًا من ماضيه، وبذل جهدًا كبيرًا حتى أعياه التفكير، ولكن دون فائدة تُذكر. كل ما كان يتذكره أن اسمه راشد بن علي، وأن وظيفته مهندس زراعي.
ظل حميد ينظر إلى سقف الغرفة، محاولًا أن يفهم لماذا يُصرّ الأطباء على أن اسمه حميد، مع أنه متأكد تمامًا من أن اسمه راشد. وفجأة، رفع صوته قائلًا:
حميد: أنا مستغرب! لماذا لا يصدقني أحد؟ ولماذا يقولون إن اسمي حميد؟! لا، بل إنهم مصرّون على ذلك، وينادونني بهذا الاسم: حميد!
ثم ضحك وأضاف ساخرًا:
حميد: يا أخي، هؤلاء الأطباء لا يفهمون شيئًا في الطب! أنا دائمًا أقول: إذا رأيت طبيبًا يرتدي نظارة، فاغسل يديك منه!
قال عبارته وهو يضحك، وكأنه وجد في السخرية متنفسًا يخفف عنه حيرته، ويُبعد عنه قليلًا ذلك الشعور الغريب الذي يطارده منذ استيقظ في هذه الغرفة، حيث لا أحد يصدّق ما يقوله، ولا أحد يأخذ روايته عن نفسه على محمل الجد.
في تلك اللحظة، وصلت الممرضة نجلاء، وكان الصباح الجميل يطلّ بوجهه المشرق، فيما راحت أشعة الشمس تعلن قدوم يوم جديد، وكأنها تحمل معها شيئًا من الأمل إلى أروقة المستشفى الهادئة.
دخلت نجلاء الغرفة بخطوات هادئة، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة، ثم ألقت تحيتها قائلة:
نجلاء: صباح الخير يا باشمهندس راشد.
استغرب حميد، ورفع رأسه نحوها متسائلًا:
حميد: من حضرتك؟
نجلاء: أنا التي سأكون مسؤولة عن رعايتك ابتداءً من اليوم.
قالتها برقة وأنوثة، وقد ارتسمت على شفتيها الصغيرتين ابتسامة لطيفة، ثم أضافت:
نجلاء: بمعنى أنني سأكون معك من اليوم، وسأتابع كل ما يتعلق بحالتك الصحية وتفاصيل علاجك.
ابتسمت نجلاء، ثم فوجئت بنفسها؛ فقد كانت هذه أول مرة تتحدث فيها مع مريض بهذه الطريقة الودودة، إذ اعتادت أن تكون أكثر جدية في تعاملها مع الرجال.
كانت نجلاء تتمنى أن تعود إلى قسم الأطفال، ذلك القسم الذي أحبته من أعماق قلبها، حتى إن من يراها بينهم يظن أنها أمهم. كانت تلعب معهم، وتحضر لهم الهدايا، وتمنحهم من حنانها ووقتها ما يجعل وجوههم الصغيرة تشرق بالفرح.
وكان الأطفال ينادونها «ماما نجلاء»، وعلى الرغم من صغر سنها، وأنها لم تذق طعم الأمومة بعد، فإن هذا اللقب كان يملأ قلبها سعادة. فقد وجدت في تلك الكلمة البريئة شعورًا جميلًا يصعب وصفه؛ وكأن الأطفال، بعفويتهم الصادقة، قد منحوا قلبها لقبًا لم تكن قد نالته في حياتها بعد.
ومع مرور الوقت، صار الجميع يناديها بهذا الاسم، حتى الأطباء أنفسهم؛ فأصبحت «ماما نجلاء» معروفة لدى كل من يعمل في ذلك القسم.
لكن انتقالها إلى قسم الرجال كان أمرًا آخر تمامًا. فقد كرهت ذلك الانتقال، وشعرت وكأنها أُبعدت عن المكان الذي ألفته وأحبت تفاصيله.
وتساءلت في نفسها بامتعاض:
لماذا ينقلونني من مكان أحببته واعتدت عليه إلى مكان يغصّ بالرجال؟! إنني لا أطيق ذلك، ولا سيما بعد كل ما أسمعه من شكاوى النساء بشأنهم!
ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة، وقالت في سرّها:
نجلاء: يا رب، صبّرني على هذا البلاء!
وأضافت بصوت يكاد لا يُسمع:
نجلاء: حتى العجائز عندهم مراهقة متأخرة! رجل في مثل عمري، وأنا لا أستطيع حتى أن أتصوّر الارتباط به، ثم يأتي رجل في خريف العمر ويعرض عليّ الزواج!
وضعت يدها على شفتيها، وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من مواصلة الحديث، ثم تمتمت:
نجلاء: الحمد لله أن فيك شيئًا يتحرك…!
كانت غارقة في أفكارها تلك، تتقلب بين الاستياء والسخرية، حين قطع حميد حبل أفكارها مخاطبًا إياها:
حميد: غريب! أسمعك تنادينني باسم راشد. هل اقتنعتم أخيرًا بأنني راشد، ولست حميد؟
كانت نجلاء تبتسم ابتسامة خفيفة وأنيقة، ثم قالت له بهدوء:
نجلاء: أليس اسمك راشد؟ حسنًا إذن، أنت راشد!
والحقيقة أنها هي نفسها لم تكن تعرف لماذا تناديه باسم راشد، على الرغم من أنها تعرف ومتأكدة من أن اسمه الحقيقي، وفق ملفه الطبي، هو حميد.
لكنها سرعان ما استدركت الأمر في نفسها، وقالت بصوت هامس:
نجلاء: إنه مريض، ويجب أن أتعامل معه على هذا الأساس. كان والدي يقول دائمًا: أعطِ المريض ما يطلبه، فالشفاء بيد الله.
كانت كلمات والدها حاضرة في ذاكرتها، تستعيدها كلما وجدت نفسها أمام موقف يحتاج إلى الحكمة والصبر. وربما كانت تدرك، في قرارة نفسها، أن المريض لا يحتاج إلى الدواء وحده؛ فقد يحتاج أحيانًا إلى كلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو شخص يمنحه شعورًا بأن هناك من يفهمه، حتى لو لم يستطع فهم ما يجري حوله.
أما حميد، فقد أخذ ينظر إليها بتمعّن، وكأنه يحاول أن يكتشف سرًّا ما في ملامحها. كان جمالها قد لفت انتباهه، فحدّث نفسه قائلًا:
يا لها من فتاة بارعة الجمال!
ثم رفع صوته قليلًا، محاولًا أن يخفي اهتمامه بها وراء سؤال عابر:
حميد: لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت؟ أليست نوبتك لم تبدأ بعد؟
ثم التفت إلى الساعة المعلّقة على الحائط أمامه، وتأمل عقاربها للحظات، قبل أن يضيف:
حميد: أظن أن موعد دوامك لم يحن بعد، أليس كذلك؟
ابتسمت نجلاء بوقار، وأجابته بهدوء:
نجلاء: أحب الصباح، وتعجبني أشعة الشمس وهي تشرق.
ضحك حميد.
ولم يكن ضحكه هذه المرة ساخرًا من الأطباء، ولا اعتراضًا على اسمه الذي لا يعترف به أحد؛ بل بدا وكأنه وجد في حديث نجلاء شيئًا خفّف عنه وطأة الحيرة، وفتح أمامه نافذة صغيرة على عالم مختلف.
وربما لم يكن أيٌّ منهما يدرك، في تلك اللحظة، أن هذا الصباح العادي في ظاهره قد يكون بداية حكاية لا تشبه سواها؛ حكاية تتداخل فيها الذاكرة مع النسيان، والحقيقة مع الشك، وتصبح فيها بعض اللقاءات الصغيرة أبوابًا لأحداث أكبر مما يتخيل أصحابها.

