جدة – محمد ال حمود الغامدي
يكبر الوالدان، وتبطؤ خطواتهما، لكن قلوبهما تظل معلقة بأبنائهما، تنتظر زيارةً لا موعد لها، ومكالمةً تطمئن القلب، وجلسةً تعيد للبيت دفئه القديم. وبين زحام الحياة وانشغالاتها، قد ننسى أن هناك من لا يريد منا شيئًا سوى بعض الوقت.
لقد أمسكوا بأيدينا عندما كانت خطواتنا الأولى ضعيفة، وسهروا عندما مرضنا، وفرحوا لنجاحاتنا أكثر مما فرحوا لأنفسهم. واليوم، حين أصبحت خطواتهم أبطأ وأيديهم أضعف، فقد جاء دورنا لنكون بالقرب منهم.
قد نظن أن توفير المسكن والطعام والعلاج لكبار السن يكفي، لكن هناك احتياجات لا تُشترى بالمال؛ كلمة طيبة، وسؤال صادق، ويد تمسك بأيديهم، وأذن تستمع إلى حكاياتهم حتى وإن سمعناها مرات عديدة.
وأقسى أنواع الوحدة أن يشعر كبير السن بأنه وحيد وهو بين أسرته. بيت مليء بالأشخاص، وكل واحد منهم منشغل بهاتفه أو عمله أو مسؤولياته، بينما يجلس الأب أو الأم ينتظران حديثًا بسيطًا يشعرهما بأن مكانهما في الأسرة لم يتغير.
لا يحتاج الأمر إلى الكثير؛ فنجان قهوة معهم، زيارة قصيرة، نزهة هادئة، سؤال عن ذكرياتهم، أو إشراكهم في تفاصيل الأسرة. أشياء صغيرة في أعيننا، لكنها عندهم قد تكون أجمل أحداث اليوم.
كبار السن لا يريدون أن يشعروا بأنهم أصبحوا عبئًا على أحد. إنهم أصحاب فضل وتجربة وذاكرة، ومن حقهم أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم محاطين بالتقدير والاحترام والحنان.
فلا تؤجلوا زيارة آبائكم وأمهاتكم، ولا تجعلوا عبارة «سأزورهم غدًا» تتكرر طويلًا؛ فالعمر لا ينتظر أحدًا.
قد يأتي يوم نقف فيه أمام بابٍ اعتدنا أن نجد خلفه أبًا ينتظرنا أو أمًا تدعو لنا، ثم نكتشف أن المكان أصبح صامتًا، وأن كل ما نتمناه حينها دقائق قليلة تعود بنا إلى الوراء.
اقتربوا منهم اليوم، واسمعوا أصواتهم، واجلسوا بجوارهم، وأخبروهم أن وجودهم نعمة؛ فبعض النعم لا ندرك حجمها إلا عندما تصبح ذكرى ..

