عبدالله شراحيلي
ليس كلُّ قلبٍ أنهكته الحياة يبحث عمّن يزيل ألمه، أو يقدّم له الحلول، أو يطالبه بأن ينهض من تعبه سريعًا؛ فبعض القلوب لا تريد أكثر من إنسانٍ يجلس بقربها، يشاركها صمتها، ويمنحها شعورًا بالأمان، دون أن يسألها لماذا صمتت، أو يخاف من دموعها، أو يطالبها بأن تبدو بخير وهي ليست كذلك.
فثمّة صمتٌ ليس فراغًا، بل ازدحامٌ من المشاعر التي ضاقت بها الكلمات، ووجعٌ أثقل من أن تحمله العبارات، وذكرياتٌ تتزاحم في أعماق الروح، فلا تجد طريقًا للخروج إلا في تنهيدةٍ عابرة، أو نظرةٍ شاردة، أو ابتسامةٍ تخفي وراءها حكايةً لا يعلمها أحد.
وما أثقل الوجع حين يبقى حبيس الصدر، لا يسمعه أحد، ولا يشعر بعمقه أحد، سوى من يعانيه ويكتوي بناره! عندها يكتشف الإنسان أن أقسى أنواع الوحدة ليست أن يجلس وحيدًا في مكانٍ خالٍ، بل أن يكون محاطًا بالناس، تتعالى حوله الأصوات، وتتلاقى أمامه الوجوه، بينما يظل قلبه غريبًا لا يجد من يحتويه، ولا روحًا تألف حزنه، ولا صدرًا يتّسع لما عجز عن البوح به.
إن بعض الناس لا يحتاجون إلى نصيحةٍ بقدر حاجتهم إلى احتواء، ولا ينتظرون منّا أن نغيّر واقعهم، بل أن نخفّف عنهم وطأته. يريدون من يفهم أن الصمت قد يكون استغاثةً لا تُسمع، وأن الانسحاب قد يكون تعبًا لا كبرياء، وأن وراء عبارة «أنا بخير» أحيانًا قلبًا يخوض معركةً لا يعلم عنها أحد.
وليس كلُّ قربٍ قربًا، ولا كلُّ صحبةٍ دفئًا، ولا كلُّ حديثٍ مؤانسة؛ فكم من قريبٍ أبعدته قسوة مشاعره، وكم من صديقٍ زادت كلماته الجراح اتساعًا، وكم من غريبٍ منحنا بكلمةٍ صادقة طمأنينةً عجز عن منحها لنا أقرب الناس.
إن الاحتواء فنٌّ لا يتقنه إلا أصحاب القلوب الرحيمة؛ أن تشعر بالآخر دون أن تقتحم خصوصيته، وأن تسمع ما وراء كلماته، وأن تمنحه مساحةً ليكون على طبيعته، حزينًا حين يحزن، وصامتًا حين يعجز عن الكلام، دون أن تجعله يشعر بأنه عبءٌ على أحد.
فليس كلُّ إنسانٍ قادرًا على شرح ألمه، وليس كلُّ وجعٍ يجد لغةً تعبّر عنه؛ لذلك قد يكون أعظم ما تقدّمه لإنسانٍ متعبٍ أن تبقى بجواره، وأن تقول له، دون ضجيج: لست مضطرًا إلى التظاهر بالقوة أمامي، يمكنك أن تكون كما أنت، وسأحترم صمتك كما أحترم حديثك.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس العلاقات بعدد اللقاءات، ولا بطول الأحاديث، بل بما تتركه في أرواحنا من طمأنينة، وبما تمنحنا إياه من شعورٍ بأننا لسنا وحدنا في مواجهة الحياة.
فليست العبرة بكثرة الوجوه التي تحيط بنا، بل بوجود قلبٍ واحدٍ يشعر بنا حين يعجز العالم عن فهمنا؛ قلبٍ لا يخاف صمتنا، ولا يملّ حزننا، ولا يتركنا نواجه عتمة أرواحنا وحدنا.
فما أجمل أن يكون الإنسان مأمنًا لغيره، وما أندر أن نجد روحًا إذا جلسنا بقربها شعرنا بأن الحياة، على قسوتها، ما زالت تحتفظ لنا بشيءٍ من الدفء.

