Site icon صحيفة صدى نيوز إس

من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى

دكتور حسن لأمير

تسكننا أحياناً عبارات تبدو في ظاهرها عظة لكنها في باطنها هندسة كاملة للروح…….

وحين نتأمل جملة “من يبكي على طعنات قديمة لن يشفى” فإننا 

لا نقف أمام نصيحة عابرة بل نواجه تشريحاً لغوياً وفلسفياً عميقاً لكينونة الإنسان في صراعه الأبدي مع الزمن والذاكرة……

لو فككنا هذه العبارة لغوياً لوجدنا أن الفعل “يبكي” لم يأت هنا ليدل على مجرد انسكاب الدمع بل جاء ليعبر عن حركية الجرح الممتد… البكاء في العربية اشتقاق يحيل إلى الانكسار والتدفق وحين يسند إلى “طعنات” يحدث في المخيلة اشتباك مرعب بين سيالين سيال الدم الفائت وسيال الدمع الحاضر الطعنة بوصفها حدثاً خاطفاً وحاداً ينبغي أن تنتهي بانتهاء زمانها لكن الفعل “يبكي” يحولها من صيغة الماضي المنقضي إلى صيغة الحاضر المستمر………

اللفظ هنا يفضح المأساة الإنسان لا يبكي الألم بل يبكي على الألم وهذه الفلسفة الصغيرة هي التي تفصل بين من يتألم ليتعافى ومن يتألم ليتعبد في محراب الوجع

وتكتسب الصفة “قديمة” ثقلاً لغوياً ووجودياً هائلاً فالقديم في لغة العرب هو المتقدم في الزمان ولكنه هنا يتحول إلى “مستبد” كيف يمكن لشيء وصف بالقدم أن يظل طرياً لدرجة استدرار البكاء؟ إن الفلسفة الكامنة وراء هذه المفارقة تخبرنا أن الذاكرة الإنسانية معمل بارع إنها تأخذ الطعنة الجافة التي أصبحت جزءاً من التاريخ وتعيد سكبها في قالب الحاضر……

الباكي هنا لا يعيش في زمنه الواقعي بل يمارس نوعاً من التجميد الزمني حيث يرفض أن تتحول الطعنة إلى “ندبة”…

الندبة علامة شفاء أما الطعنة المستمرة فنزيف مختار……

ثم يأتي الجواب حاسماً قاطعاً وجافاً كحكم محكمة إلهية “لن يشفى”…….

إن استخدام أداة النفي “لن” دون غيرها (كـ “لم” أو “لا”) يحمل أبعاداً استشرافية صارمة في اللغة و”لن” تفيد نفي المستقبل وتأكيده……

وكأن النص يغلق أبواب الاحتمالات كلها…….

الشفاء في أصله اللغوي هو الخلوص من المرض والبرء منه وهو يتطلب كشرط أساسي تبدّل الحالة وتحول البنية لكن الباكي على ما مضى يرفض التحول إنه يربط هويته بجلاده ويعرّف وجوده بكمية النصال التي استقرت في ظهره…….

إن فلسفة الوجع الكامنة في هذه المقولة الباذخة تتلخص في أن البكاء على الطعنات القديمة هو إعادة إنتاج للطعنة بذات النصل وبيد الضحية هذه المرة…….

الجلاد الأول طعن مرة واحدة ورحل أما الضحية فتعيد طعن نفسها مع كل دمعة وتذكّر….. 

الشفاء ليس نسياناً بل هو تصالح مع حقيقة أن الجرح صار جزءاً من التضاريس وليس تياراً يسحبنا إلى الخلف…….

ومن يصر على استنطاق النصال الراقدة في لحمه يظل خارج سياق الحياة ميتاً في كفن من الذكريات فالبرء لا يزور روحاً تعشق داءها…………………

#ربيعُ_عمري_والغروب 

الدهر بعدكِ بالأحلام قد عصفا

والعمر ناح على أيامه أسفا

و الصبح جاء بلا شمسٍ..فأذهلني

وجه الصباح عن الآلام قد كشفا

كان السحاب يُريق المزن في شغفٍ

يا أنتِ بعدك عاف المزن و الشغفا

هل ترجعين فؤادًا شفّهُ ألمٌ

و الليل حنّ لذاك البدر كيف غفا

مال الزمان على الأيام فابتسمتْ

خلف ابتسامتها من بؤسها دَنِفا

تلك السحابة في العلياء من ألمٍ

هلّتْ مدامعها علّ الدموع شِفا

يا أنتِ..إنّ ربيع الأمس يسألني

ما بال بدرك للود القديم جفا

ماذا أقول و صيف الدهر أجهدني

والشوق أرّقني والعمر قد نزفا

ماذا أقول و آهاتي مبعثرةٌ

و لا مجيب لدمع الليل إذْ هتفا

أقول ليليَ لا بدرٌ يسامرهُ

هبّ الظلام بذنب الليل واعترفا

أقول بدري عاف الليل من زمنٍ

و الليل أنكر..دون البدر كيف صفا !

كان الظلام سعيدًا يرتدي قمرًا

ويح الظلام أضاع القصد والهدفا 

ليت الزمانَ خليلٌ كي ننادمهُ

لعل يرجع بعض الأمس إذْ سلفا

و إن أعاد لقلبي بعض بهجتهِ

فمن سيفتح قلبًا في الغروب غفا !!

Exit mobile version