Site icon صحيفة صدى نيوز إس

سطوة الحنان

 

بقلم / سلافه سمباوه

قد يبلغ الإنسان الخمسين، ويظل في أعماقه طفل يضيء وجهه حين تسمعه أمه، وينكمش قلبه حين تستخف بما يؤلمه. وللعمر أن يغير ملامحنا ومنازلنا وأعمالنا، وتبقى للكلمة الأولى في أرواحنا منزلة يصعب أن ينازعها كلام الآخرين. فمن البيت عرفنا شيئاً عن قيمتنا، ومن وجوه أهلنا تعلمنا كيف نستقبل الحياة.

والفرح ينبت في الداخل، حيث يصالح المرء نفسه ويطمئن إلى حقه في العيش والاختيار. غير أن هذا الداخل ليس جزيرة معزولة، فقد سكنت فيه أصوات كثيرة، بعضها يربت عليه، وبعضها يحاسبه حتى على ابتسامته. وما أيسر أن يحب الإنسان حياته حين يجد بين أهله من يفرح لفرحه، ويخفف عنه ثقل الطريق.

الأم الداعمة تمنح أبناءها شعوراً بأن محبتها تتسع لاختلافهم. تسمع الرأي الذي يخالف رأيها، وتبدي خوفها دون أن تجعل الخوف أمراً واجب التنفيذ. تعرف أن ابنها قد يحتاج مشورتها وهو رجل، وأن ابنتها قد تحتاج حضنها وهي أم، فتحفظ لهما مكانتهما، وتترك لهما مسؤولية القرار.

أما الأم المحبطة، فقد تستقبل الأمنية باحتمالات الفشل، والنجاح بما ينقصه، والاختيار بذكر العواقب وحدها. وربما حسبت أنها تحمي أبناءها، وهي تضيق المسافة بينهم وبين أنفسهم. يتردد أحدهم قبل أن يفرح، ويخفي الآخر مشروعه حتى يتم، خشية أن تذبل رغبته تحت وطأة تعليق عابر.

ولمثل هذا الأثر جذور تبدأ مبكراً. فالطفل الذي يجد التشجيع على المحاولة قد يتعلم أن الخطأ تجربة تحتمل الإصلاح. والذي تتكرر أمامه السخرية والمقارنة قد يحمل إلى كبره خوفاً من التقييم، فيستأذن الناس في رغباته، ويزن خطواته بميزان رضاهم. وتختلف الاستجابات، ويظل لكل إنسان مجال لفهم ما ورثه وتغييره.

ومن صور النضج أن ندرك حق أهلنا في الاحترام، وحقنا في إدارة أعمارنا. لقد كبرنا على أن ننتظر قراراتهم لتمضي بنا الحياة، وعلى أن نعلق اختياراتنا حتى يأذن بها الجميع. نسمع ونشاور ونتأمل، ثم نختار ونتحمل. فالعمر الذي تعلمنا فيه حمل المسؤولية يستحق أن نمارس فيه حريتنا بوعي.

وقد يزيد المجتمع هذا الأمر تعقيداً حين يخلط البر بإلغاء الإرادة، ويجعل الاختلاف جفاء. فتعيش أسر كاملة في حذر، يقول أفرادها ما يرضي، ويخفون ما يشعرون. ومع الزمن يقل الحوار الصادق، ويصبح القرب واجباً ثقيلاً، مع أن المودة تزدهر حيث يستطيع الإنسان أن يتكلم مطمئناً إلى مكانه في القلب.

نحتاج أهلنا بعد الخمسين أيضاً، نحتاج دعاءهم واهتمامهم واعترافهم بما قطعناه من طريق. وقد تكفينا كلمة تقول إننا أهل للثقة، وإن تعثرنا فلنا بيت نعود إليه دون محاكمة. فالدعم العاطفي يخفف الوحدة، ويمنحنا طاقة لمواجهة المشقة، ويذكرنا أن قيمتنا أوسع من نجاح تجربة أو إخفاقها.

والحياة تحتاج من يسهلها معنا. تحتاج يداً تحمل بعض التعب، ووجهاً يستقبل الخبر الطيب بفرح صاف، وقلباً يصغي قبل أن ينصح. يكفينا ما في الأيام من مطالب، فلا ينبغي أن نستنفد أعمارنا في الدفاع عن حقنا في الراحة، أو تبرير كل اختيار لمن نحب.

ويبدأ التغيير حين نراجع لغتنا في البيوت، فنستبدل التحقير بملاحظة محددة، والتدخل بسؤال، والتخويف بمناقشة هادئة. وحين نفتقد الدعم، نستطيع بناء حدود تحفظ العلاقة، والاستعانة بمن نثق بحكمته، وتعلم حديث أرفق مع أنفسنا. فآثار الطفولة قابلة للفهم، ومساحة الاختيار تتسع بالتدريب والوعي والمساندة المناسبة.

والسلام أن نسكن أنفسنا دون خصومة دائمة معها، وأن نجد في الأسرة صحبة تعيننا على ذلك. ما أجمل الأم حين يبقى حضنها وطناً، ويكبر احترامها لاختيارات أبنائها كلما كبروا.

Exit mobile version