Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ضحك النبي ﷺ.. بشاشة الوجه وجمال الخُلُق ومنهج راقٍ في التعامل مع الناس

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

هذا مقال صحفي يستلهم الهدي النبوي في البشاشة والمزاح وآداب الضحك

حيث تُعدّ البشاشة وطلاقة الوجه من أجمل مظاهر حسن الخُلُق، ومن الصفات التي تأسر القلوب وتقرّب النفوس، وقد جسّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أروع صورها في حياته اليومية وتعاملاته مع أصحابه والناس كافة؛ فكان دائم البشر، طيب المعشر، لطيف الحديث، يجمع بين الوقار والتواضع، وبين الجدّ في مواضعه وإدخال السرور على من حوله.

 

وهناك جملة من المواقف النبوية التي تكشف جانبًا مهمًّا من شمائل الرسول الكريم، وتقدم للمسلمين منهجًا تربويًّا متوازنًا في التعامل مع الآخرين، بعيدًا عن العبوس والتكلف والإفراط في المزاح.

 

البشاشة النبوية.. خُلُق يفتح القلوب

 

لم تكن ابتسامة النبي صلى الله عليه وسلم سلوكًا عابرًا، بل كانت مظهرًا من مظاهر رحمته وحسن معاشرته للناس. فقد روى الترمذي عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قوله: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

 

كما روى جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه منذ أسلم إلا تبسم في وجهه، وهو ما يعكس عظيم أثر البشاشة في بناء العلاقات الإنسانية، وإشعار الآخرين بالتقدير والقبول، وإزالة الحواجز النفسية بينهم.

 

وتؤكد هذه المواقف أن الابتسامة ليست أمرًا شكليًّا فحسب، بل رسالة إنسانية تحمل معاني الود والاحترام، وتُشعر الآخرين بأنهم موضع ترحيب واهتمام. ومن هنا جاء التوجيه النبوي الكريم: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة»، في إشارة إلى أن أبواب الخير لا تقتصر على المال، بل تشمل الكلمة الطيبة، والوجه الطلق، وحسن التعامل.

 

ضحكه صلى الله عليه وسلم.. اعتدال ووقار

 

كان الغالب على ضحك النبي صلى الله عليه وسلم التبسم، ولم يكن كثير القهقهة أو الإفراط في الضحك. وقد جاء في الحديث عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تبسمًا»، كما وردت أحاديث صحيحة تبين أنه كان يضحك أحيانًا حتى تبدو نواجذه.

 

وهذا التوازن النبوي يوضح أن الوقار لا يعني العبوس، وأن حسن الخلق لا يتعارض مع السرور والمرح المباح، وإنما يتمثل الكمال في وضع كل سلوك في موضعه، فلا يطغى المزاح على الجد، ولا يتحول الضحك إلى عادة تستغرق الوقت وتصرف الإنسان عن مسؤولياته وواجباته.

 

وقد أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، وأن المذموم هو الإكثار والإفراط بما يذهب الوقار.

 

مواقف نبوية تكشف عظيم السرور

 

ومن المواقف التي ظهر فيها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حديث آخر أهل الجنة دخولًا إليها، فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خبر الرجل الذي يخرج من النار، ثم يؤذن له بدخول الجنة، ويُعطى من النعيم ما يفوق الدنيا أضعافًا مضاعفة. وعندما يرى عظيم ما أُعطي، يصدر منه كلام يدل على شدة دهشته وفرحه، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.

 

ويكشف هذا الموقف عن عظيم فضل الله ورحمته، وعن سعة ما أعدّه لعباده من النعيم، كما يبعث في النفس الأمل وحسن الظن بالله، مع ضرورة التمسك بالإيمان والعمل الصالح.

 

ومن المواقف الأخرى ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في غزوة أحد، حين أصاب سهمه رجلًا من المشركين كان قد أضر بالمسلمين، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. ويبين سياق الحديث أن سروره كان بما تحقق من إصابة عدو المسلمين، لا بانكشاف عورته.

 

وتؤكد هذه الروايات أن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان يأتي في مواقف متعددة، لكل منها سياقها ومعناها، وأن فهمها يكون بالنظر إلى الروايات وأسبابها، لا بعزلها عن سياقها.

 

المزاح النبوي.. مرح لا يخرج عن الحق

 

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن المداعبة والمزاح المباح، بل كان يمازح أصحابه ويؤانسهم، مراعيًا أحوالهم ومشاعرهم، من غير أن يتخلى عن الصدق أو يتجاوز حدود الأدب.

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا! فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لا أقول إلا حقًّا»، رواه الترمذي.

 

وهذا الحديث يؤسس لقاعدة مهمة في المزاح، وهي أن المرح لا يبرر الكذب، وأن إضحاك الآخرين لا ينبغي أن يكون على حساب الصدق أو كرامة الإنسان أو مشاعره. فالمزاح المقبول هو ما أدخل السرور على النفوس، وألّف بين القلوب، وسلم من الأذى والسخرية والترويع.

 

كما ورد عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح، وكان أصحابه يتحدثون ويتذاكرون بعض الأخبار، فيضحكون، وربما تبسم معهم. وفي ذلك دلالة على سعة الهدي النبوي في التعامل مع المجالس الاجتماعية، مع المحافظة على الأدب والاعتدال.

 

آداب الضحك في ضوء الهدي النبوي

 

يقدم الهدي النبوي مجموعة من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها في ضحكه ومزاحه، ومن أبرزها:

 

أولًا: الحرص على البشاشة وطلاقة الوجه، واحتساب الأجر في إدخال السرور على الآخرين.

 

ثانيًا: الاعتدال في الضحك والمزاح، والابتعاد عن الإفراط الذي يشغل عن ذكر الله والواجبات، أو يضعف الوقار.

ثالثًا: الالتزام بالصدق، وعدم اختلاق القصص والأخبار الكاذبة من أجل إضحاك الناس، فقد ورد الوعيد فيمن يكذب ليضحك القوم.

رابعًا: اجتناب السخرية والاستهزاء بالآخرين، وعدم اتخاذ عيوب الناس أو ظروفهم مادة للضحك والتندر.

خامسًا: مراعاة مشاعر الآخرين، والابتعاد عن المزاح الذي يسبب الحرج أو الخوف أو الأذى، فليس كل ما يضحك بعض الناس مقبولًا لدى الجميع.

سادسًا: مراعاة المقام والوقت، والجمع بين حسن المعاشرة والجدية عند الحاجة، حتى يبقى المزاح وسيلة للتآلف لا سببًا للتقصير أو ضياع الحقوق.

البشاشة رسالة تربوية للمجتمع

إن التأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يكشف أن الابتسامة الصادقة قد تكون مفتاحًا لعلاقة ناجحة، ووسيلة لتخفيف التوتر، ومدخلًا للإصلاح والتوجيه. فالوالد الذي يستقبل أبناءه بوجه طلق، والمعلم الذي يعامل طلابه برفق، والمسؤول الذي يحسن استقبال المراجعين، وكل إنسان يحرص على طيب المعشر، يسهم في نشر بيئة يسودها الاحترام والطمأنينة.

وفي المجال التربوي خصوصًا، يحتاج الأبناء والطلاب إلى من يجمع بين الحزم والرحمة، وبين توجيه السلوك وحفظ الكرامة، وبين الجدية في أداء المسؤولية وإشاعة الألفة في التعامل. وهذه المعاني من الدروس التي يستفيدها المجتمع من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله.

خاتمة

إن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وبشاشته ليسا مجرد مواقف تُروى للتأمل، بل هما جزء من هديه العظيم في بناء العلاقات الإنسانية على الرحمة والصدق وحسن الخلق. فقد علّم أمته أن الابتسامة صدقة، وأن المزاح لا ينفصل عن الصدق، وأن الوقار لا يستلزم العبوس، وأن إدخال السرور على الناس من وجوه الخير متى التزم المسلم بآدابه وضوابطه.

وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى استحضار هذه المعاني في البيوت والمدارس ومواقع العمل والمجالس العامة؛ لننشر ثقافة الكلمة الطيبة، والوجه البشوش، والمزاح المهذب، والتعامل الذي يحفظ للإنسان كرامته ويقرب القلوب بعضها من بعض.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من أهل البشاشة والرفق وحسن الخلق، وأن يملأ حياتنا بالمودة والرحمة والسكينة.

المادة العلمية الأصلية: الدكتور محمود بن أحمد الدوسري، «ضحك النبي صلى الله عليه وسلم»، موقع ملتقى الخطباء.

Exit mobile version