الإعلامي /خضران الزهراني
قصة واقعية في معناها، مؤلمة في تفاصيلها، تحمل رسالة لكل من أنهكته الخلافات الزوجية بعد الطلاق.
حكاية رجلٍ أنهكته الذكريات
كان هناك رجلٌ عاش سنواتٍ من عمره يحلم بحياةٍ زوجية هادئة، وبيتٍ يجمعه بمن أحب، وأيامٍ تمرّ بالمودة والرحمة. لكن الحياة لم تسر كما أراد، وتسلّلت الخلافات إلى تفاصيل يومه، حتى أصبحت الكلمات الجارحة أكبر من لحظات الصفاء، وأصبح العتاب بابًا لا ينتهي من الألم.
ومع مرور الأيام، وصلت العلاقة إلى طريقٍ مسدود، وانتهى الزواج بالطلاق.
ظنّ الرجل أن الطلاق سيكون نهاية المعاناة، لكنه اكتشف أن بعض المعارك لا تنتهي بانتهاء العلاقة؛ فهناك ذكريات تعود في لحظات الهدوء، وأسئلة تتزاحم في صدره، وندمٌ على كلماتٍ قالها في ساعة غضب، وحسرةٌ على أيامٍ كان يتمنى لو عادت ليصلح فيها ما انكسر.
وفي بعض الليالي، كان يجلس وحيدًا، يسترجع الماضي، ويسأل نفسه: لماذا حدث كل هذا؟ وهل كان بالإمكان أن تكون النهاية مختلفة؟
حتى أدرك أن الاستسلام للحزن لن يعيد ما مضى، وأن البقاء أسيرًا للخلافات لن يبني له مستقبلًا أفضل.
رفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب، إن كنت أخطأت فاغفر لي، وإن كنت قد ظُلمت فاجبرني، وإن كان في قلبي ألمٌ لا يعلمه سواك، فأنزل على روحي سكينتك، وارزقني الرضا والعوض الجميل.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ ينظر إلى قصته بعينٍ مختلفة؛ لم يعد يبحث عن منتصرٍ ومهزوم، ولم يعد يريد أن يثبت للناس من كان على حق، بل قرر أن يتعلّم من التجربة، ويحفظ كرامته، ويؤدي ما عليه من حقوق، ويترك ما لا يستطيع تغييره لله سبحانه وتعالى.
فهم أن الطلاق قد يكون نهاية علاقة، لكنه ليس نهاية الحياة، وأن الخلاف لا يبرّر الظلم، كما أن الألم لا يمنح الإنسان الحق في إيذاء الآخرين.
وتذكّر قول الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[سورة الطلاق: 2-3]
عندها أدرك أن الشيطان يسعى إلى إفساد العلاقات وإشعال العداوة، وأن الاسترسال في الغضب والانتقام قد يطيل أمد الجراح، لكن باب التوبة والإصلاح والسكينة لا يُغلق ما دام الإنسان يرجع إلى الله ويأخذ بالأسباب.
لم يعد يندم على انتهاء فصلٍ من حياته بقدر ما أصبح يخشى أن يضيّع بقية عمره في البكاء على ما انتهى.
وهكذا تعلّم أن بعض النهايات، مهما كانت موجعة، يمكن أن تصبح بدايةً لنضجٍ جديد، وأن الإنسان لا يُقاس بما فقد، بل بما يتعلّمه من خسارته، وبقدرته على النهوض دون أن يحمل الكراهية في قلبه.
أبيات شعرية: وعد الله أكبر
يا قلب لا تحزن على ما قد مضى
فالعمر يمضي والليالي شهودُ
إن ضاق صدرك من خلافٍ موجعٍ
فالله للعبد الكريم ودودُ
لا تجعل الأحزان تسكن روحَك
فوراء ليل الحزن فجرٌ يعودُ
والشيطان يسعى للخصام وفتنةٍ
لكن وعد الله حقٌّ أكيدُ
إن كان درب الأمس قد أنهى المنى
فغدًا بإذن الله حلمٌ جديدُ
فارفع يديك إلى الكريم تضرعًا
فالباب باب الله، وهو المجيدُ
لا تنتقم ممن أساء، ولا تَخُنْ
عهد الضمير، فحُسن فعلك سديدُ
واخرج من الماضي بقلبٍ مؤمنٍ
فالعفو رفعة، والصبر رشيدُ
وإذا انكسر شيءٌ بداخل مهجتك
فالله يجبر ما يراه العبيدُ
ما خاب قلبٌ في الإله توكّلًا
فالوعد حقٌّ، والرجاء مديدُ
رسالة من القلب إلى كل مطلّق ومطلّقة
لا تجعلوا الأبناء ضحايا خلافات الكبار، ولا تحوّلوا الذكريات إلى سلاحٍ متبادل، ولا تجعلوا الطلاق بابًا للانتقام أو الانتقاص من الكرامة.
إن كان هناك حقٌّ، فليُطلب بالطرق المشروعة، وإن كان هناك تقصير، فليُعترف به بشجاعة، وإن كان الصلح ممكنًا ومناسبًا، فليكن بالحكمة والاحترام، وإن تعذّر، فلتكن المفارقة بإحسان.
ليس كل زواجٍ ينتهي بالطلاق فشلًا في الحياة، وليس كل استمرارٍ في علاقةٍ مضطربة نجاحًا. العبرة بما يرضي الله، وبحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، وعدم الإضرار بالنفس أو بالآخرين.
تذكّر دائمًا أن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأن الأمل لا يموت ما دام القلب متصلًا بربه.
الخلاصة:
لا تندم على ما مضى حتى تنسى ما بقي، ولا تسمح لخلافٍ قديم أن يهدم مستقبلًا لم تعشه بعد. استغفر عن خطئك، واطلب حقك بالحكمة، وتعلّم من تجربتك، ثم امضِ إلى حياتك بقلبٍ مطمئن.
فالشيطان يتوعّد، لكنه لا يملك أن يسلبك إرادتك، ووعد الله حق، ورحمته أوسع من أحزانك، والفرج قد يأتي من بابٍ لم يخطر لك على بال.
دعاء الختام
اللهم يا جابر القلوب المنكسرة، اجبر كل قلبٍ أوجعته الخلافات، وكل نفسٍ أتعبها الفراق، وكل إنسانٍ بات يحمل في صدره حزنًا لا يستطيع البوح به. اللهم طهّر قلوبنا من الحقد، وألسنتنا من الأذى، وأعمالنا من الظلم، وارزقنا الحكمة عند الغضب، والصبر عند البلاء، والرضا عند القضاء، والعوض الجميل بعد كل فقد.
اللهم لا تجعل الماضي سجنًا لقلوبنا، ولا تجعل الخلاف سببًا لظلمنا، واكتب لنا من أمورنا رشدًا، ومن أحزاننا فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا. آمين يا رب العالمين.

