Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ستعود إلينا يا رفيق العمر.. وسيبقى الشوق كما كان

بقلم أحمد علي بكري

في عالمٍ تتبدل فيه الأحوال، وتتغير فيه الوجوه، وتخفت فيه بعض المشاعر تحت وطأة الأيام، تمنحنا الطبيعة أحيانًا دروسًا عميقة في الوفاء، وتكشف لنا أن المحبة الصادقة ليست كلماتٍ تُقال في لحظات اللقاء، ولا مشاعر عابرة تتوهج ثم تنطفئ، بل هي عهدٌ صامت يسكن الروح، وينتظر صاحبه مهما طال الغياب، ويحفظ له مكانه مهما امتدت المسافات. ولعل طائر القطرس المعترض، بما يرويه سلوكه من قصة الارتباط والعودة واللقاء، يقدم لنا صورة بديعة نستحضر معها أصدق ما في قلوبنا من حنين، وأجمل ما في أرواحنا من إخلاص، وأعمق ما في الحب من قدرة على الانتظار.

تأملوا ذلك الطائر وهو يعود من رحلات الصيد الطويلة، قاطعًا مسافات شاسعة فوق مياه المحيط، وقد أنهكته رحلة البحث عن القوت، لكنه يحمل في أعماقه وجهةً أخرى غير الشاطئ الذي سيحط عليه، وغايةً تتجاوز حاجته إلى الراحة والأمان؛ إنه موعد مع رفيقة العمر، ولقاء مع روح اعتادت أن تكون جزءًا من حكايته. هناك، في موطن اللقاء، لا تعنيه المسافات التي قطعها بقدر ما يعنيه أن يجد من ينتظره، ولا يشغله اتساع المحيط بقدر ما يشغله أن يرى تلك التي ألفها قلبه، وأن يستعيد معها دفء القرب بعد طول الغياب.

كم تشبه هذه العودة قلوبًا بشريةً عاشت المحبة بصدق، وأدركت أن الغياب، مهما طال، لا يستطيع أن ينتزع من الروح مكانة من أحببناهم بعمق! فهناك أشخاص لا يغادروننا حقًا حين تبتعد أجسادهم، لأنهم يظلون مقيمين في تفاصيلنا الصغيرة، في الأماكن التي جمعتنا بهم، وفي الكلمات التي اعتدنا سماعها منهم، وفي الذكريات التي تمر بنا فجأةً فتوقظ في القلب شوقًا كأنه وُلد للتو. نواصل أيامنا، ونمضي في شؤون الحياة، وقد نظهر للآخرين وكأننا تجاوزنا الغياب، لكن في أعماقنا مساحةً لا يملؤها أحد، وموعدًا لا يشبهه موعد، وانتظارًا لا يعرف كيف يتخلى عن الأمل.

ننتظر من نحب بفارغ الصبر، لا لأن الوقت يتوقف من دونهم، بل لأن شيئًا في أرواحنا يظل ناقصًا حتى يعودوا. نراقب الأفق كما لو أن ملامحهم ستظهر في آخر الطريق، ونصغي إلى وقع الخطوات كأنها قد تحمل خبرًا عن اقترابهم، ونلتفت إلى كل ما يشبههم، لعل المصادفة تمنحنا لحظةً تعيد إلينا بعضًا مما افتقدناه. وقد تمر الأيام ثقيلةً، وتتوالى الأسابيع والشهور، وربما تطول السنوات، لكن المحبة التي استقرت في القلب لا تقيس وفاءها بعدد الأيام، ولا تجعل من طول الغياب سببًا لمحو الود، ولا تسمح للمسافات أن تكتب وحدها نهاية الحكاية.

ستعود إلينا يا من انتظرناك، وستجد في أعيننا الشوق نفسه الذي عهدته، وفي قلوبنا المحبة ذاتها التي تركتها خلفك، وفي أرواحنا ذلك اللهيب الهادئ الذي لم تخمده الأيام. ستعود، وربما تظن أن طول الغياب قد غيّر شيئًا فينا، أو أن الأيام التي مضت قد أخذت من مشاعرنا ما لا يمكن استعادته، لكنك ستكتشف أن بعض المحبة لا تشيخ، وأن بعض الوجوه لا يغيب أثرها، وأن هناك قلوبًا تحفظ الود كما تحفظ الأرض بذور الربيع في أعماقها، تنتظر موسم العودة لتزهر من جديد.

وحين نلتقي، لن يكون عناقنا مجرد ترحيب بمن عاد من سفره، بل سيكون احتضانًا لكل لحظة افتقدناه فيها، ولكل كلمةٍ تمنينا أن نقولها له فلم نجد من نصغي إليها، ولكل ذكرى استعدناها ونحن نفتقد حضوره. سنغمرك بالمشاعر التي خبأناها لك طوال غيابك، وسنمنحك من الحنان ما يجعل المسافة التي فصلت بيننا تتضاءل أمام لحظة القرب. وربما لن نحتاج إلى كثير من الكلام؛ فالعين التي انتظرت طويلًا تستطيع أن تحكي ما عجز اللسان عن قوله، واليد التي تمتد بشوق تختصر حكايةً كاملةً من الصبر والحنين، والقلب الذي يخفق عند اللقاء يعلن أن صاحبه لم يكن ينتظر مجرد عودة عابرة، بل كان ينتظر اكتمال شيء عزيز في حياته.

والأجمل في اللقاءات التي تصنعها المحبة الصادقة أنها لا تفقد دهشتها بالتكرار؛ ففي كل عودة شيء من البدايات، وفي كل نظرة اكتشاف جديد، وفي كل اقتراب نبضة تشبه النبضة الأولى. كأن الزمن، مهما امتد، يعجز عن انتزاع رهبة اللحظة الأولى من قلبين ما زالا يعرفان قيمة بعضهما. سنلتقي مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، وفي كل مرة سنشعر بأننا نبدأ الحكاية من جديد، لا لأننا نسينا ما سبقها، بل لأن الشوق حين يتجدد يمنح اللقاء روحًا جديدة، ولأن المحبة حين تكون صادقة لا تكتفي بما مضى من الذكريات، بل تصنع من كل موعد ذكرى تستحق أن تبقى.

وهذا ما يجعل مشهد القطرس مؤثرًا في النفس؛ فالرابطة بين الزوجين ليست مجرد اجتماع عابر في موطن واحد، بل هي جزء من دورة حياتهما، تتخللها رحلات البحث عن الغذاء، والعودة إلى موطن التكاثر، والتواصل الذي يعيد تأكيد الألفة بينهما. ويُعرف القطرس عمومًا بارتباطاته الزوجية طويلة الأمد، وبطقوس التعارف التي قد تتجدد بين الشريكين عند اللقاء. ومع ذلك، فإن تفاصيل السلوك تختلف باختلاف أنواع القطرس، ولا يعني طول الارتباط أن حياة الزوجين تخلو من المخاطر أو الانقطاع؛ فالمحيط واسع، والطبيعة لا تمنح وعودًا مضمونة، لكن هذا ما يجعل العودة في حد ذاتها مشهدًا يستحق التأمل.

إن أجمل ما في هذا المشهد ليس أن الطائرين يعيشان بعيدًا عن الفراق، بل أنهما يواجهان إيقاع الحياة بما تفرضه من ابتعاد وعودة. فالمحبة لا تعني أن نكون مع من نحب في كل لحظة، وإنما أن يبقى لهم في داخلنا موضع لا يزاحمهم عليه أحد. والوفاء لا يعني غياب التعب أو انعدام الخوف، بل أن يظل الرجاء حاضرًا رغم ما يتركه الانتظار في النفس من قلق، وأن نمنح العلاقة قيمتها من خلال ما نحفظه لها من صدق، لا من خلال سهولة الظروف التي تجمعنا.

وحين نرى طائرًا ينتظر رفيقته، ثم نراهما يلتقيان في مشهد من الألفة، نشعر أن في الطبيعة مرآةً لمشاعر نعرفها جيدًا؛ مشاعر الزوج الذي ينتظر زوجته، والزوجة التي تحفظ لزوجها مكانه في القلب، والأم التي تترقب عودة أبنائها، والأب الذي يخبئ شوقه خلف صمته، والصديق الذي لا تنقص المحبة في قلبه لمجرد أن الطرق فرقت بينه وبين صديقه. إنها صور مختلفة لمعنى واحد: أن بعض الروابط لا تصنعها كثرة اللقاءات وحدها، وإنما يصنعها صدق المشاعر، وعمق العشرة، والقدرة على حفظ الود في الحضور والغياب.

ومع ذلك، فإن الوفاء ليس أن ننتظر انتظارًا أعمى، أو أن نعلّق حياتنا على وعد لم يقطعه أحد، بل أن نصون المحبة ما دامت قائمة على الصدق والاحترام، وأن نمنح الغائب حسن الظن دون أن نفقد أنفسنا، وأن ندرك أن أجمل العلاقات هي التي يعود فيها كل طرف إلى الآخر بقلبٍ مطمئن، لا خوفًا من الوحدة، بل رغبةً في مشاركة الحياة مع من اختاره قلبه. فالمحبة الناضجة لا تلغي الحياة، بل تجعلها أعمق معنى، ولا تحبس الإنسان في الماضي، بل تمنحه أملًا في لقاء جديد يستحق الانتظار.

يا من طال غيابك، إن عدت يومًا فاعلم أن هناك قلوبًا لا تستقبلك بعدّاد الأيام، ولا تسألك كم تأخرت قبل أن تفتح لك أبواب الود. ستجد في العين بقايا الدمع الذي لم يكتمل، وفي الابتسامة فرحةً حاولت أن تتخفى فلم تستطع، وفي العناق اعتذارًا صامتًا عن كل لحظةٍ مضت بعيدًا عنك. ستجد أن بعض المشاعر بقيت كما تركتها، وأن الشوق الذي كان يطرق القلب في غيابك قد صار فرحةً تفيض عند حضورك، وأن اللقاء الذي انتظرناه طويلًا قادرٌ على أن يجعلنا ننسى، ولو للحظات، كل ما بيننا وبينه من مسافات.

وإن كان للوفاء درسٌ نستخلصه من هذا الطائر، فهو أن قيمة اللقاء لا تُقاس بقصر الانتظار أو طوله، وإنما بما يحمله من صدقٍ وحنين. وأن المحبة حين تسكن القلب بعمق تترك فيه أثرًا لا تمحوه المسافات بسهولة، وأن العودة قد تكون أجمل من كل التصورات التي نسجناها في الغياب، لأن الواقع حين يجمعنا بمن نحب يمنحنا ما تعجز عنه الذكريات وحدها: صوتًا نشتاق إليه، ونظرةً نعرفها، وقربًا يعيد إلى الروح طمأنينتها.

ستعود إلينا يا رفيق العمر، يا من حفظنا لك مكانًا في القلب لا يشغله سواك، وستجدنا نحبك بالشغف نفسه، ونستقبلك بالحنان ذاته، وننظر إليك كما لو أن اللقاء الأول لم يمضِ قط. وفي كل مرة تجمعنا بك الحياة، سنمنحك من فرحتنا ما يليق بانتظارنا، وسنحتفي بك كما لو أنك عدت من غياب العمر كله، لأن القلوب التي تحب بصدق لا تملّ اللقاء، ولا تفقد دهشتها بالقرب، ولا ترى في عودة الأحبة حدثًا عاديًا؛ بل تراها عيدًا صغيرًا يتجدد كلما عاد الغائب إلى المكان الذي ينتمي إليه.

فيا لها من رسالةٍ رقيقة تحملها أجنحة هذا الطائر فوق المحيط: أن الغياب ليس دائمًا نسيانًا، وأن الصمت ليس بالضرورة فتورًا، وأن المسافات مهما اتسعت لا تختصر وحدها حكاية المحبة. قد يتأخر اللقاء، وقد يطول الطريق، وقد تتعب القلوب من ثقل الانتظار، لكن حين يكون الود صادقًا، يظل للأمل نافذة، وللشوق صوت، وللعودة معنى يجعل كل لحظة صبرٍ جديرةً بأن تُروى.

Exit mobile version