مقال/ الإعلامي خضران الزهراني
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للترفيه أو تبادل المقاطع والصور، بل تحولت إلى ساحات للتعبير عن الرأي، وإبراز الهوية الوطنية، والدفاع عن القضايا التي تهم المجتمع. ومن هنا، تأتي الدعوات المتداولة لمقاطعة تطبيق «تيك توك» لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حقوق المستخدمين، وعدالة سياسات المنصات الرقمية، واحترام المحتوى الوطني.
لماذا المقاطعة؟ وما الرسالة التي تحملها؟
تأتي الدعوات إلى مقاطعة تيك توك على خلفية شكاوى متداولة من بعض المستخدمين وصنّاع المحتوى السعوديين بشأن حذف مقاطع أو تقييد انتشار محتوى يرونه معبرًا عن حب الوطن والدفاع عن المملكة العربية السعودية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يشعر المستخدم السعودي بأن صوته يحظى بالمعاملة العادلة ذاتها التي يتمتع بها غيره من المستخدمين؟
إن هذا التساؤل يستحق إجابة واضحة وشفافة من إدارة المنصة، بعيدًا عن التخمينات والاتهامات غير المثبتة. فالمستخدم لا يطلب امتيازًا خاصًا، وإنما يطالب بمعايير عادلة، وإجراءات واضحة، وحق حقيقي في الاعتراض على القرارات التي يرى أنها غير منصفة.
ومن المهم كذلك التمييز بين حذف المحتوى فعلًا، وتقييد ظهوره، وبين القرارات التي تتخذها المنصات لمخالفة قواعد النشر؛ فالحكم العادل يبدأ من معرفة الوقائع والأسباب.
المقاطعة.. سلاح سلمي ورسالة حضارية
إن المقاطعة الواعية ليست دعوة إلى الفوضى، ولا وسيلة للإساءة إلى الآخرين، بل هي أحد أشكال التعبير السلمي الذي يستطيع من خلاله المستهلك والمستخدم إيصال موقفه إلى الشركات والمؤسسات.
وعندما يتفق المستخدمون على التوقف عن استخدام منصة لفترة محددة، فإنهم يبعثون برسالة مفادها أن ثقة الجمهور ليست أمرًا مضمونًا، وأن احترام المستخدمين والإنصاف في التعامل مع محتواهم عنصران أساسيان لاستمرار هذه الثقة.
لكن نجاح أي حملة لا يقاس بكثرة الشعارات وحدها، بل بوضوح مطالبها، وصدق معلوماتها، وحجم المشاركة فيها، ومدى قدرتها على الوصول إلى نتائج ملموسة.
السعودية أكبر من أن تختزل في وسم أو مقطع
إن المملكة العربية السعودية وطن له مكانته وتاريخه وإنجازاته، والاعتزاز بها قيمة راسخة في وجدان أبنائها. والدفاع عن صورتها ومكتسباتها مسؤولية وطنية يمارسها كل فرد بما يستطيع، من خلال الكلمة الصادقة، والمعلومة الموثوقة، والسلوك المسؤول.
ومع ذلك، فإن قوة الموقف الوطني لا تحتاج إلى تداول معلومات غير مؤكدة، ولا إلى توجيه اتهامات بلا أدلة؛ بل تحتاج إلى خطاب واعٍ، وحجج واضحة، ومطالب مشروعة، واحترام للأنظمة والسياسات التي تنظم استخدام المنصات الرقمية.
إن من حق المستخدم السعودي أن يسأل، وأن يعترض، وأن يطالب بالتوضيح، وأن يختار المنصة التي تمنحه الثقة والاحترام. ومن واجب الشركات الرقمية أن تستمع إلى مستخدميها، وأن تشرح قراراتها، وأن توفر قنوات فعالة للاعتراض والمراجعة.
ماذا نريد من إدارة تيك توك؟
المطلب ليس مجرد الاعتذار أو إصدار بيان عابر، وإنما الوصول إلى معايير واضحة وشفافة في التعامل مع المحتوى، وتوضيح أسباب الحذف أو تقييد الانتشار، وإتاحة آليات مراجعة عادلة، والتعامل مع شكاوى المستخدمين بالجدية نفسها دون تمييز.
كما أن توثيق الحالات محل الاعتراض، والاحتفاظ بأدلة القرارات، وتقديم الشكاوى عبر القنوات الرسمية، خطوات مهمة لتحويل المطالبات العامة إلى قضايا محددة يمكن مراجعتها والتحقق منها.
فإذا كانت السياسات عادلة، فإن الشفافية ستعزز الثقة بها، وإذا وجدت أخطاء، فإن مراجعتها وتصحيحها سيؤكدان احترام المنصة لجمهورها.
كلمة أخيرة
إن حملة مقاطعة تيك توك، بصرف النظر عن نتائجها، تطرح قضية تستحق النقاش: العلاقة بين المنصات الرقمية والمجتمعات التي تمنحها جمهورها وتأثيرها التجاري والإعلامي.
السعودية خط أحمر في قلوب أبنائها، والولاء للوطن لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى مواقف مسؤولة وكلمات صادقة وأفعال واعية.
فلتكن المقاطعة، إن اختارها المستخدمون، رسالة سلمية قائمة على الوعي والحقائق، ولتكن المطالبة بالإنصاف دعوة إلى الشفافية لا إلى الإساءة، وإلى الحوار لا إلى الشائعات.
فالأوطان تُخدم بالكلمة المسؤولة، والحقوق تُصان بالوعي، والثقة لا تُفرض على الجمهور، بل تُكتسب بالعدل والاحترام.
الإعلامي/ خضران الزهراني عاشق القلم 🖊

