Site icon صحيفة صدى نيوز إس

العميد الطيار سعيد آل مانع .. عَلَمٌ في ميادين المجد، ومسيرة فخر واعتزاز في سماء القوات الجوية الملكية السعودية

 

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

حديثي في هذا المقال عن مسيرة وطنية حافلة بالعطاء والقيادة، ورحلة كفاح بدأت من قرية وادي زيد قبيلة لجوان بمحافظة احد رفيدة بمنطقة عسير، وانتهت بالتقاعد برتبة عميد طيار بعد عقود من العمل العسكري والتدريب والإدارة والإسهام في تطوير الكفاءات الجوية السعودية.

في سجل الرجال الذين صنعوا مسيرتهم بالعلم والعمل والانضباط، تبرز سيرة العميد الطيار سعيد بن محمد سعيد آل مانع القحطاني، أحد أبناء قبيلة لجوان من قحطان، المولود عام 1373هـ في قرية وادي زيد بمحافظة أحد رفيدة، والذي انتقل من مقاعد الدراسة في مدارس المنطقة إلى ميادين الطيران العسكري والقيادة والتدريب في القوات الجوية الملكية السعودية، ليكتب رحلة مهنية امتدت سنوات طويلة، حافلة بالمسؤوليات والتجارب والإنجازات.

 

وتجسد سيرته نموذجًا للرجل الذي جمع بين الطموح العلمي، والالتزام العسكري، والحرص على تطوير الذات، مؤمنًا بأن خدمة الدين ثم الوطن مسؤولية تتطلب الإخلاص والإتقان ومواصلة التعلم.

 

بدأت رحلة العميد سعيد آل مانع التعليمية عام 1381هـ، مع افتتاح مدرسة لجوان وجارمة الابتدائية، وكان من أوائل الملتحقين بها، حتى تخرج عام 1386هـ. وقد حقق نتيجة متقدمة على مستوى المملكة، إذ جاء ترتيبه السابع والخمسين، مكررًا مع زميله سعيد بن عايض بن فرحان من آل غيلان بلجوان، ضمن الناجحين الذين بلغ عددهم آنذاك نحو 21 ألف طالب، وفقًا لما أورده في سيرته الذاتية.

 

ثم انتقل إلى المنطقة الشرقية، والتحق بمدرسة الخبر المتوسطة خلال العامين 1387 و1388هـ، قبل أن ينتقل إلى متوسطة خميس مشيط، التي حصل منها على شهادة الكفاءة المتوسطة عام 1389هـ.

 

وفي عام 1390هـ، اتجه إلى العاصمة الرياض، حيث عُيّن موظفًا بالمرتبة الثانية في الرئاسة العامة لمدارس البنات، بالتزامن مع مواصلة دراسته الثانوية في مدرسة النهضة، حتى حصل على الثانوية العامة عام 1392هـ.

 

ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد؛ فقد انتقل بعد ذلك إلى جامعة الملك سعود، وعمل في عمادة شؤون الطلاب بالمرتبة الرابعة، مسؤولًا عن الطلبة المبتعثين من أفريقيا، والتحق بالدراسة الجامعية في كلية التجارة لمدة عام، قبل أن تتجه مسيرته نحو مجال الطيران العسكري، الذي أصبح المحطة الأبرز في حياته المهنية.

 

كلية الملك فيصل الجوية.. بداية التحليق نحو المسؤولية

 

شكّل التحاقه بكلية الملك فيصل الجوية عام 1394هـ نقطة تحول مهمة في مسيرته؛ إذ اختار طريق الخدمة العسكرية والتخصص في الطيران، ليتخرج طيارًا برتبة ملازم، وفق التسلسل الذي أورده في سيرته الذاتية، ثم يُعيّن في قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالمنطقة الشرقية.

 

ومنذ بداياته في القوات الجوية الملكية السعودية، أخذت مسؤولياته تتدرج مع اكتسابه الخبرة واجتيازه الدورات التخصصية، فترقى إلى رتبة ملازم أول طيار عام 1399هـ، وانتقل إلى قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف، حيث حصل على الدورتين التأسيسية والمتقدمة في الطيران العمودي.

 

وفي عام 1403هـ، رُقّي إلى رتبة نقيب طيار، وعمل ضابطًا طيارًا عملياتيًا، ثم مدربًا، قبل أن ينتقل إلى السرب العمودي بقاعدة الملك خالد الجوية بالجنوب، للعمل في مجال التقييم والتدريب.

 

وتعكس هذه المرحلة انتقاله من أداء المهام العملياتية إلى الإسهام في إعداد الطيارين وتأهيلهم، وهي مسؤولية تتطلب الجمع بين الخبرة الميدانية والدقة الفنية والقدرة على نقل المعرفة إلى الآخرين.

 

من الطيران العملياتي إلى القيادة والتدريب

 

واصل العميد سعيد آل مانع تقدمه المهني، فترقى إلى رتبة رائد طيار عام 1407هـ، وعُيّن ضابط عمليات للسرب العمودي. وفي العام نفسه، أُوفد ضمن أعضاء البعثة العسكرية السعودية إلى الجمهورية اليمنية، حيث عمل مدربًا في قاعدة الديلمي بصنعاء، قبل أن يعود بعد نحو عام إلى قاعدة الملك خالد الجوية بخميس مشيط.

 

وفي عام 1410هـ، ترقى إلى رتبة مقدم طيار، وواصل عمله في قاعدة الملك خالد الجوية، كما شارك في حرب تحرير الكويت خلال عامي 1410 و1411هـ، وهي محطة بارزة في سجل خدمته العسكرية.

 

وفي عام 1413هـ، كُلّف بقيادة القوة الجوية السعودية المشاركة في تمرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة، في مهمة تعكس ما أُسند إليه من مسؤوليات في مجال القيادة والتنسيق والعمل العسكري المشترك.

 

ثم جاءت ترقيته إلى رتبة عقيد طيار عام 1415هـ، ليُعيّن قائدًا للسرب العمودي بقاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالظهران، قبل انتقاله عام 1417هـ إلى قيادة جناح التعليم بمعهد الدراسات الفنية للقوات الجوية.

 

وقد مثّلت هذه المرحلة انتقالًا مهمًا في مسيرته، من قيادة الوحدات الجوية والمهام العملياتية إلى مجال التعليم والتأهيل الفني، الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية في بناء القدرات البشرية للقوات الجوية.

 

قيادة جناح الطلبة.. مرحلة مفصلية في تطوير معهد الدراسات الفنية

 

في عام 1418هـ، رُقّي سعيد آل مانع إلى رتبة عميد طيار، وكُلّف بقيادة جناح الطلبة في معهد الدراسات الفنية للقوات الجوية، ليدخل مرحلة من أكثر مراحل حياته المهنية أهمية من حيث حجم المسؤولية واتساع نطاق العمل.

 

وفي سيرته الذاتية أنه تسلّم مسؤولية جناح الطلبة في وقت بلغ فيه عدد المقبولين سنويًا نحو 960 طالبًا، ثم غادر المنصب بعد أكثر من أربع سنوات، وقد ارتفع عدد الطلبة إلى 4394 طالبًا.

 

ويربط العميد آل مانع هذا التوسع بما حظي به المعهد من دعم القيادة، وبجهود تطوير منظومته التعليمية والتدريبية، لمواكبة اتساع مهام القوات الجوية الملكية السعودية ودخول منظومات جديدة ومتقدمة إلى الخدمة، وما استتبع ذلك من حاجة متزايدة إلى الفنيين المؤهلين، الذين يمثلون عنصرًا أساسيًا في إسناد العمليات الجوية والمحافظة على جاهزية المعدات والمنظومات.

 

وتكشف هذه المرحلة عن أهمية الدور الذي يؤديه التدريب الفني في بناء القوة العسكرية؛ فامتلاك الطائرات والمنظومات الحديثة لا يكتمل أثره إلا بتأهيل الكوادر القادرة على تشغيلها وصيانتها ودعمها وفق المعايير المطلوبة.

 

وقد عبّر العميد سعيد آل مانع عن اعتزازه بما تحقق خلال تلك الفترة، وبما أسهم فيه المعهد من استقطاب خريجي الثانوية العامة من مختلف مناطق المملكة، ليصبح إحدى المؤسسات المهمة في إعداد الكفاءات الفنية للقوات الجوية.

 

وفي عام 1423هـ، كُلّف بقيادة جناح الإدارة بالمعهد، مواصلًا عمله في المجال الإداري والتنظيمي، قبل أن يختتم خدمته العسكرية بالتقاعد في الثاني والعشرين من صفر عام 1426هـ، برتبة عميد طيار، بعد مسيرة حافلة بالمهام والقيادة والتدريب.

 

أوسمة وميداليات توثق مسيرة الخدمة

 

تتضمن السيرة العسكرية للعميد سعيد آل مانع عددًا من الأوسمة والأنواط والميداليات التي حصل عليها خلال سنوات خدمته، ومن أبرزها:

 

-ميدالية الصقر للطيران.

-نوط المعلم.

-نوط الخدمة العسكرية لعشر سنوات.

-نوط المعركة.

-وسام تحرير الكويت.

-ميدالية تحرير الكويت.

-نوط الخدمة لخمس عشرة سنة.

-نوط الإدارة العسكرية.

-نوط الخدمة لعشرين عامًا.

-نوط الذكرى المئوية.

-نوط الخدمة العسكرية لخمس وعشرين سنة.

 

وتأتي هذه الأوسمة ضمن سجل خدمته العسكرية، بما تحمله من دلالة على تعدد مجالات عمله، بين الطيران والتدريب والعمليات والقيادة والإدارة.

 

تأهيل علمي ودورات تخصصية داخل المملكة وخارجها

 

لم تعتمد مسيرة العميد سعيد آل مانع على الخبرة العملية وحدها، بل صاحبها اهتمام بالتأهيل العلمي والتخصصي، حيث حصل على بكالوريوس العلوم الجوية من كلية الملك فيصل الجوية عام 1398هـ.

 

كما اجتاز عددًا من الدورات في مجالات الطيران والتدريب والنجاة والبحث والإنقاذ والإدارة والتخطيط، من أبرزها:

 

-الدورة التأسيسية للطيران العمودي على طائرات النوع 206 بالطائف.

-الدورة المتقدمة للطيران العمودي على طائرات النوع 212 بالطائف.

-دورة إعداد مدرسي الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية.

-دورة النجاة التأسيسية في الصحراء بالظهران.

-دورة النجاة في الجبال بخميس مشيط.

-دورة البحث والإنقاذ التكتيكي المتقدم بالطائف.

-دورة المهارات الإشرافية الإدارية بمعهد الإدارة العامة بالمنطقة الغربية.

-دورة احتياجات وتصميم وإدارة التدريب في بريطانيا.

-دورة أساسيات الحاسب الآلي بالظهران.

-دورة التخطيط الاستراتيجي بمعهد الإدارة العامة بالمنطقة الشرقية.

-دورة العمليات المشتركة لأفرع القوات المسلحة بخميس مشيط.

-دورة كبار القادة بالرياض.

 

ويعكس هذا التنوع في الدورات حرصه على تنمية قدراته في الجوانب الفنية والقيادية والإدارية، بما يتناسب مع طبيعة المسؤوليات التي تقلدها خلال خدمته.

 

خطاب من ولي العهد.. تقدير يعتز به في نهاية الخدمة

 

ومن بين خطابات الشكر والتقدير التي حصل عليها خلال مسيرته، يعتز العميد سعيد آل مانع على وجه الخصوص بخطاب نهاية الخدمة الموجّه إليه من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، الذي شغل منصب ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران.

ويصف هذا الخطاب بأنه من أعظم ما يعتز به في حياته المهنية، لما يمثله من تقدير معنوي لمسيرة قضاها في أداء الواجبات والمسؤوليات الموكلة إليه.

ويؤكد في حديثه عن تجربته أن قيمة العمل لا تنفصل عن إتقانه، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وهو المعنى الذي يراه أساسًا للنجاح في الحياة المهنية، والوفاء بمتطلبات المسؤولية، وتحقيق تطلعات القيادة.

بعد التقاعد.. تجربة في القطاع الخاص واهتمامات متجددة

لم يكن التقاعد نهاية للعطاء العملي في حياة العميد سعيد آل مانع؛ إذ انتقل بعد انتهاء خدمته العسكرية إلى العمل في القطاع الخاص، فالتحق بشركة هيف بن محمد بن عبود للمقاولات، وتولى مسؤوليات في شركاتها بدولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة الشرقية لمدة خمس سنوات، قبل أن يتفرغ لأعماله الخاصة واهتماماته الشخصية.

ويواصل اهتمامه بالقراءة والكتابة ومتابعة التطورات والتحديثات التي تشهدها القوات الجوية الملكية السعودية، انطلاقًا من خبرته السابقة واعتزازه بالانتماء إلى هذه المؤسسة العسكرية.

ويؤكد في سيرته أن اتساع مساحة المملكة العربية السعودية وتنوع جغرافيتها يبرزان أهمية القوة الجوية، بما تملكه من قدرة على سرعة التحرك والاستجابة للمتطلبات والظروف المختلفة، معربًا عن فخره بما حققته القوات الجوية من تطور، وبأنه كان أحد منسوبيها الذين أسهموا في أداء رسالتها.

التاريخ في ذاكرته.. قراءة في مسيرة الحضارة العربية

إلى جانب اهتمامه العسكري، يحظى التاريخ بمكانة خاصة في اهتمامات العميد سعيد آل مانع؛ إذ يرى في أحداث الماضي وعبره مجالًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

ويتناول في رؤيته التاريخية انتقال مراكز القوة والحضارة في التاريخ الإسلامي، بدءًا من المدينة المنورة في العهد النبوي والخلافة الراشدة، مرورًا بدمشق في العصر الأموي، ثم بغداد في العصر العباسي، وما شهدته تلك المراحل من ازدهار وتغيرات سياسية وحضارية.

ويربط هذه القراءة باعتزازه بما تشهده المملكة العربية السعودية من مكانة وخدمة للإسلام والحرمين الشريفين، وما تقوم عليه من مرجعية الكتاب والسنة، وما يراه من أهمية العدل ووحدة الصف والتلاحم بين القيادة والشعب.

ويؤكد أن قوة الوطن وتماسك أبنائه والتفافهم حول قيادتهم تمثل ركيزة أساسية لاستمرار الاستقرار وصون المكتسبات، مستحضرًا ما قامت عليه الدولة السعودية من وحدة وتكاتف منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وولًا إلى العهد الحاضر.

وادي زيد.. الجذور التي بقيت حاضرة في الذاكرة

على الرغم من تنقل العميد سعيد آل مانع بين مناطق المملكة ومحطات العمل العسكري، ووصوله إلى مواقع قيادية في القوات الجوية الملكية السعودية، فإن بداياته في قرية وادي زيد بلجوان بمحافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير تظل جزءًا أصيلًا من سيرته الشخصية.

فمن تلك القرية التي شهدت طفولته وبدايات تعليمه، انطلقت رحلة طويلة في طلب العلم والعمل، مرورًا بالرياض والمنطقة الشرقية والطائف وخميس مشيط، وصولًا إلى مهام التدريب خارج المملكة، ثم قيادة الأجنحة والوحدات في مؤسسات القوات الجوية.

وتختصر هذه الرحلة معنى الطموح الذي يبدأ بخطوات بسيطة، ثم يتسع بالاجتهاد والانضباط واكتساب الخبرة، حتى يصل صاحبه إلى تحمل مسؤوليات أكبر، ويترك أثرًا في المجالات التي خدم فيها.

مسيرة وطنية عنوانها الإتقان والوفاء

إن سيرة العميد الطيار سعيد بن محمد سعيد آل مانع القحطاني ليست مجرد تسلسل للمناصب والترقيات والدورات، بل هي سجل لمسيرة مهنية جمعت بين التعليم والطيران والعمليات والتدريب والقيادة والإدارة، وانتهت بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل العسكري بالتقاعد برتبة عميد طيار.

وقد تنوعت محطاتها بين الخدمة الميدانية، والمشاركة في حرب تحرير الكويت، والبعثة العسكرية السعودية في اليمن، والقيادة في التمارين المشتركة، والإسهام في إعداد الكفاءات الفنية بمعهد الدراسات الفنية للقوات الجوية.

وبين بداياته التعليمية في مدارس احد رفيدة تعليم عسير، وعمله في مواقع عسكرية وتعليمية متعددة، يظل الإخلاص في أداء الواجب، والحرص على التطوير، والاعتزاز بخدمة الوطن، من أبرز المعاني التي يبرزها في استعراض تجربته.

إنها سيرة ابن من أبناء وادي زيد وأحد أبناء قبيلة لجوان من قحطان، حمل طموحه من قريته إلى ميادين المسؤولية الوطنية، وواصل عطاؤه حتى التقاعد، محتفظًا باعتزازه بتجربته العسكرية، ووفائه للمؤسسة التي خدم فيها، واهتمامه بالتاريخ والقراءة والكتابة، وإيمانه بأن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة، تتجدد بالعلم والخبرة والوعي.

العميد الطيار سعيد آل مانع القحطاني.. رحلة بدأت من وادي زيد، وامتدت إلى ميادين الطيران والقيادة، لتبقى شاهدًا على مسيرة رجل جعل من العلم والعمل والإتقان ركائز لحياته وخدمته الوطنية.

Exit mobile version