بقلم: صالح الزهراني
قد يجلس الأب في بيته محاطًا بأبنائه ومع ذلك يشعر بالوحدة يراهم أمامه لكنه يفتقد حديثهم واهتمامهم وينتظر سؤالًا صادقًا عن حاله أو جلسةً تمنحه الشعور بقربهم. ولعل أشد ما يؤلمه أن يتحول وجوده في حياتهم إلى أمر معتاد بينما تتراجع مساحة الحوار والمودة بينهم.
يتخذ جفاء الأبناء صورًا قد تبدو بسيطة في ظاهرها: انشغال دائم بالهاتف أثناء الجلوس وإجابات مقتضبة تنهي الحديث قبل أن يبدأ وغياب السؤال وضيقٌ من تكرار النصيحة. لكنها حين تتكرر تترك في نفس الأب شعورًا بأنه أصبح على هامش حياة أبنائه وأن حديثه لم يعد يجد آذانًا تصغي إليه.
وقد يظن بعض الأبناء أن توفير الاحتياجات أو أداء الواجبات العملية يكفي للتعبير عن الوفاء. غير أن العلاقة بالوالدين تحتاج كذلك إلى دفء الكلمة وحسن الاستماع والمبادرة بالزيارة والاتصال. فربما كان الأب قادرًا على قضاء شؤونه كلها لكنه يتمنى أن يسمع: «كيف حالك يا أبي؟» وأن يشعر بأن السؤال نابع من محبة واهتمام.
ولا يصح اختزال هذا الجفاء في اتهام جيل كامل فقد تتراكم المسافات بسبب ضعف الحوار أو خلافات لم تُعالج أو أسلوب قاسٍ في التعبير أو انشغال كل فرد بعالمه الخاص.
ولهذا فإن إصلاح العلاقة يحتاج إلى إنصات متبادل يعبّر فيه الأب عن احتياجه دون تجريح أو مقارنة ويستمع فيه الأبناء دون تبرم، كما يجدون مساحة محترمة لشرح مشاعرهم وظروفهم.
ومن حق الأبناء أن تكون لهم أعمالهم وصداقاتهم وطموحاتهم ومن حق الآباء أن يبقى لهم نصيب واضح من وقت أبنائهم واهتمامهم. ويمكن لهذا التوازن أن يبدأ بخطوات صغيرة: وجبة تجمع الأسرة وجلسة تُترك فيها الهواتف جانبًا واتصال يسبق طلب الحاجة ومشاركة الأب تفاصيل اليوم وأخباره.
كما أن اختلاف الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة عاطفية. يستطيع الابن أن يختلف مع أبيه ويحفظ له قدره ويستطيع الأب أن يوضح موقفه ويترك لابنه فرصة الكلام. فالاحترام يظهر في نبرة الصوت وفي اختيار العبارة وفي القدرة على إبقاء باب المودة مفتوحًا عند الخلاف.
أيها الأبناء، اقتربوا من آبائكم واسألوا عن أحوالهم واجعلوا لهم مكانًا في يومكم. لا تنتظروا مناسبة كبيرة لتعبّروا عن محبتكم فجلسة هادئة وكلمة طيبة وضحكة مشتركة، قد تمنح الأب فرحًا يظل معه طويلًا. والبيوت تدفأ حين يجد أهلها الوقت ليجلسوا معًا ويتحدثوا ويشعر كل واحد منهم بأنه مسموع ومحبوب.

